أفكار ومواقف

الاقتصاد والثورات الجديدة

كان الاقتصاد على مر التاريخ سببا رئيسا للثورات الكبرى والصغرى في مختلف المجتمعات، وعلى وقع معاناة الجوعى رسمت خرائط الاحتجاجات والتي لطالما دشنت سرديات مؤثرة وربما ملهمة، يبقى الاقتصاد هو الاب الشرعي للسياسة والمحرك الاول للشعوب، ولكن قوة وشكل الاقتصاد المؤثر في صياغة التغيير الاجتماعي والسياسي تغيرت كثيرا، ولعل الدروس الاكثر وضوحا في هذا المجال تأتي هذه المرة من المنطقة العربية، يبدو ذلك في الطريقة التي باتت تدار بها الاحتجاجات وآلية تغيير النظم على مدى ثلاث موجات من التحولات وآخرها ما حدث في الجزائر والسودان.
لقد نمت في العقود الثلاثة الاخيرة انماط من الريع الاقتصادي – السياسي الذي دشن ولاءات سياسية هشة، على بنى اقتصادية زائفة وغير موجودة في الاصل، ولطالما حاولت الكثير من النظم ان تجد بدائل للريع التقليدي، ولكن بدل ان تبني قواعد للانتاج وتعيد تشكيل المجتمع والسياسة على الانتاج اعادة بناء ريعية جديدة بالمفهوم الاقتصادي ورعوية اخرى بالمفهوم السياسي الاجتماعي.
ان الرعوية الجديدة تصر على الاستمرار بالعلاقات الريعية اقتصاديا سواء مع الخارج او مع مجتمعها لأن احد ابرز اركان استمرار علاقات التبعية الرعوية يتمثل في استمرار الاعتماد الاقتصادي على حساب بناء قدرات انتاجية محلية، وعلى الرغم من ان حاكمية الرعويات الجديدة اكثر مرونة من السابق وتلبس احيانا لبوسا ليبراليا واحيانا تبدو انها تسعى نحو الاقتصاد الاجتماعي الا انها تقدم مفهوم الولاء على مفاهيم الانتماء والصالح العام، بمعنى ان ادوات الرعاية تستمر وتتجسد اكثر في الوقت الذي تتراجع عمليا ادوات الريع بمفاهيمه الاقتصادية والاجتماعية بمعنى ان النظام السياسي ملتزم بتقديم رعاية ولكن بدون ريع يستمر هذا على وقع التحولات السياسية وتقلبات الاسواق والزيادة السكانية وتفاقم ازمة المجتمعات الاستهلاكية.
المهم ان ازمة هذا النمط تزداد في استمرار تغير ادوات الريع اي تراجعها احيانا وصولا لافلاسها في بعض النماذج مقابل استمرار وتصاعد ادوات الهيمنة الخارجية والعلاقات الرعوية الداخلية، والاكثر خطورة حينما تلجأ بعض النظم الى تعويض الخسائر في استخدام الريع بالمزيد من الضغط على ادواتها الرعوية، وحينما تصل الدول الى هذه المرحلة فإنها تكون على بداية الدخول في ازمات التغيير الشامل التي تبدأ على شكل احتجاجات وفوضى.
وباستعراض سلوك انظمة عديدة في الشرق الاوسط تشهد هذه الازمات يلاحظ كيف تزداد قوة العلاقات الرعوية وسط إفلاس الريع التقليدي، وكيف يتم خلق هندسة اجتماعية جديدة مثل اعادة اختراع الآخر في الداخل، يبدو ابرز ملامح هذه الحالة في خسائر الثقافة السياسية اي التراجع الكبير في قدرة المجتمعات على المساءلة العامة او قدرة الافراد والاطر المؤسسية المجتمعية ووسائل الإعلام على مراقبة اداء السلطات وفي المقدمة الحكومات، في الوقت الذي يزداد فيه الصراخ والاصوات المرتفعة التي تعبر عن لغة احتجاجية غير منظمة وغير واضحة المضامين يرافقها خطابات غير مقنعة ومملوءة بالمعلومات الخاطئة والاكاذيب التي يسهل نفيها، الى جانب ظاهرة اخرى في تصعيد رموز غير مقنعين، كل هذا التحولات تحمل مؤشرات الى اين وصلت الازمة من جهة وتدل على نمط الصراعات القادمة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock