أفكار ومواقف

الاقتصاد والديموقراطية

يزداد تفاقم الاحتجاجات الشعبية العربية على خلفية فشل الاقتصاد والسياسة غير المسبوقة في هذه المنطقة، ومن المتوقع ان يشهد العقد الثالث من هذا القرن الذي يفصلنا عنه مجرد اشهر قليلة جيلا جديدا من الحراكات الاحتجاجية الكبرى في ضوء انغلاق الافق امام نحو 60 مليون شاب باتوا يعانون من البطالة في منطقة اصبحت الاقليم الاول في العالم في حجم المتعطلين عن العمل وفي ضعف العدالة الاجتماعية، وفي تصدير الهجرة القسرية واللاجئين.
من الواضح ان الاوضاع في معظم بلدان العالم العربي باتت في أبعد نقطة عن مطالب الاصلاح السياسي والتحول الديموقراطي منذ اكثر من عقدين، وسط تصعيد غير مسبوق لأولويات جديدة في الاقتصاد والحاجات الاساسية والامن. حيث تعود المنطقة الى الدرجة الاولى من السلم، وفي لحظة فارقة في الثقافة السياسية لا تقيم جل المجتمعات العربية علاقة واضحة بين الديموقراطية والحكم الرشيد من جهة وخبز الناس وحقهم في العيش الكريم من جهة اخرى.
الديموقراطية بمفهومها التاريخي والاجتماعي اقتصادي، وهيكلها العظمي يبنى بالاقتصاد، وليست السياسة سوى منهجية لإدارة الخيارات الاقتصادية؛ اي خيارات المجتمع في برامج الخدمات والبنى التحتية والتعليم والصحة وادارة الاسوق وادارة العمل وغير ذلك، وعبر التاريخ الحديث يتصارع السياسيون على افضل البرامج الاقتصادية التي توفر حلولا لمشاكل المجتمعات. ما يؤكد ان الديمقراطية ليست نظاما سياسيا صرفا، بل مجرد آلية لتحقيق مصالح الناس، وفي الغالب هي مصالح اقتصادية ترتبط بالعيش والعدل والكرامة، واذا ما وجد الناس ان حقوقهم في العيش والحياة الكريمة قد اهتزت فحتما سوف يجدون انفسهم امام لحظة الحقيقة اي التساؤل عن المنهجية او الطريقة التي تدار بها الدولة والمؤسسات.
في العديد من اللغات الآسيوية يربط مفهوم الديموقراطية، بالديموقراطية التي تطعم من الجوع، لا قيمة للديمقراطية اذا لم تعمل اولا من اجل الفقراء ومن اجل الطبقة الوسطى ومن اجل الشباب ومن اجل النساء.
لماذا بات الناس في هذا الجزء من العالم لا يكترثون بالانتخابات ولا يمنحون وزنا للبرلمانات الهشة والضعيفة ولا حتى للمجتمعات المدنية ومؤسساتها، فيما تتراجع الثقة العامة في الدولة والمؤسسات ونظم الثقافة والتعليم والهوية، ببساطة ساذجة لأن كل هذا الحصاد لم يجب عن اسئلتهم المرتبطة بالحاجات الاساسية.
الاستهلاك السياسي، له طبقات، وله مستويات ايضا، فالسياسة تحتل المجال العام للمجتمع، وتشغل الناس في مجالهم الخاص اليومي، وتكاد تسيطر على انشغالات الإعلام، وتسرق الفنون والآداب وتوظفها، فيما تغيب حاجات الناس الفعلية وأولوياتهم والتي هي صلب السياسة، وبالرغم من ان مجتمعاتنا ربما تكون هي الاكثر استهلاكا للسياسة في العالم فهي عمليا الاقل ممارسة للسياسة وانتاجا لها.
نحتاج اعادة تعريف الاصلاح السياسي بربطه بالخيارات الاقتصادية وبالطرق الاكثر كفاءة في ادارة شؤون الناس وحاجاتهم فالديموقراطية والاصلاح الذي يمكن ان يصغي اليهما الناس يبدآن في اجتثاث الفساد بكل اوجهه وبكفاءة ادارة الموارد والخيارات.
السياسة تحتل كل شيء في أفقر مجتمعات العالم واكثرها قدرة على المشاركة الشكلية أو التعبير السياسي السلبي، يحدث كل هذا وسط أكثر نظم العالم بعدا عن السياسة وإدارة المصالح. وفيما لا توجد خميرة ثقافية – اجتماعية فاعلة لن يستمر الناس بأكل خبز السياسة بهذه الطريقة، وهذا ما يفسر جانبا من الغربة بين السياسة الفعلية والناس، وما يؤكد الحاجة إلى إعادة تعريف الاصلاح السياسي باعتباره العمق الحقيقي لأسئلة الخبز والسياسة معا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock