Uncategorized

الاقتصاد ولماذا يخرجون للشوارع

يدمر فيروس كورونا اقتصاد الدول تباعا، وأحيانا على شكل مجاميع، من خلال تحطيم سلاسل العرض، ونشر الخوف والقلق العام وأحيانا الرعب. كما يوزع أضراره على مناحي الاقتصاد المختلفة مركزا على قطاعات معينة في بادئ الأمر كتلك المتعلقة بالسياحة والضيافة وسبل النقل العامة لينتقل بسرعات متفاوتة الى جوانب العرض والطلب كافة في الاقتصاد. يتطلب هذا وضع سياسات اقتصادية سليمة تعتمد ليس فقط أدوات التحليل الاقتصادي التقليدية، بل أدوات وتحاليل وتوصيات علوم أخرى كعلم النفس وعلم الاجتماع في عملية تكاملية محددة النهج والنتائج.
وتتخذ الحكومات والبنوك المركزية في أنحاء العالم الكثير من السياسات والإجراءات غير المسبوقة للتخفيف من حدة الانكماش العالمي الذي من المتوقع أن يصبح ركودا عالميا سيمس الاقتصاديات المتقدمة والنامية معا، وقد يقلب موازين القوى والريادة الاقتصادية في العالم. لذا، هناك الكثير من المقترحات (بل وإجراءات في جنوب كوريا، والفلبين، واليابان، وبريطانيا، وغيرها) بالدعم النقدي والإقراض بدون فوائد، لحماية الشرائح الأضعف من السكان، وبقاء الشركات وحماية القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية، ومساعدة تلك الأكثر تعرضا للضرر.
تقود هذه الجهود البنوك المركزية في العالم (السياسة النقدية هي خط الدفاع الأول في مواجهة كورونا) لكي لا تتحول مشاكل السيولة الى مشاكل مالية تديم تقرحات الجائحة وتدمي الاقتصاد الذي أصبح بكامله مندمجا وبشكل سلبي في الأزمة. فالأدلة دامغة على انخفاضات هائلة في الاستهلاك والإنتاج عالميا، سواء كان ذلك داخل البلدان أو عبرها مع التوقف الاقتصادي المفاجئ للدورة الاقتصادية، فبغض النظر عن رغبة الإنسان في الاستهلاك أو الإنتاج يجد نفسه غير قادر على ذلك بسبب التباعد الاجتماعي أو العزل الذاتي المطلوب لمواجهة تفشي المرض ومنعه من أن يصبح مأساة إنسانية كبرى، كما حدث في الدول التي ترددت في التعامل معه بحزم في مراحله المبكرة.
الأولوية الفورية هي استجابة سياسة الصحة العامة التي تدعو إلى التباعد الاجتماعي، والعزلة الذاتية، وغيرها من التدابير التي لا تتوافق مع دورية وتواصل بُنى الاقتصاد الحديث. ونتيجة لذلك، يحدث انكماش سريع للنشاط الاقتصادي (وبالتالي الرفاهية الاقتصادية). وستعتمد مدة وعمق الركود القادم على مدى وسرعة نجاح السياسة الصحية والجهود المبذولة لتحديد واحتواء انتشار الفيروس، وعلاج المصابين، وتعزيز الحصانة.
وخلال التعامل مع الجائحة ومتطلبات الصحة العامة، يستسلم معظمنا لدرجات متباينة من الخوف وعدم اليقين بل والشلل الفكري أو ردود فعل مفرطة. ويقابل البعض هذا الذعر أو الرعب بالتهكم، والبعض الآخر بالخوف والرعب. أما الرعب فهو الأقسى وطأة على نفسية الشخص، ويؤدي الى تصرفات غير حكيمة، كأن يخرج الناس الى الشوارع في تحد صارخ لمنع التجوال والعزل الفردي. وهي ظاهرة لا يعاني منها الأردن فقط، بل تعاني منها بنسب متفاوتة مجتمعات الدول كافة، خاصة تلك التي تمنح للفرد حرية التنقل من دون مخافة العقاب.
ولمعرفة أسباب خروج الناس، رغم معرفتهم بأخطار المرض (أصبح لدى الجميع تقريبا نوع من المعرفة بخطورة المرض وسبل انتشاره)، أذكر بعضها حسب دراسات علماء النفس والاجتماع:

  1. تعوّد الناس في العقدين الماضيين وبعد 11 أيلول (سبتمبر)، والحروب المحلية الكثيرة، والكوارث الطبيعية، والهجمات الإرهابية الواسعة؛ أن حياتهم يجب أن تستمر كالمعتاد. لذا أصبح من الطبيعي أن يستمر الشخص في تصرفاته رغم الخطر المحدق. وهو أمر يحتاج الى التوعية وإرسال الرسائل المصاغة من قبل المختصين لتعريف الشخص بأن مثل هذا الظرف لم يعد قائما في ظل الجائحة التي تقتات وتنمو نتيجة الممارسات التي كانت تعد اعتيادية.
  2. أيضا، أصبح الاهتمام بالصحة الذاتية أمرا شخصيا، كممارسة الرياضة، وعمل الفحوصات، وتناول الفيتامينات، واتباع حمية صحية وغيرها من الممارسات الفردية. وهكذا، وفي غياب الجائحة، أصبح الفرد معنيا بصحته فقط، من دون الاهتمام بصحة الآخرين، لعدم وجود الجائحة لفترة طويلة من الزمن في السابق. لذا، المطلوب مخاطبة هؤلاء بأن الوضع غير ذلك، وصحة الفرد في صحة المجموعة.
  3. أيضا، يعتقد البعض بأنهم أكثر مناعة من الآخرين، كونهم شبابا أو يعتقدون بأنهم يتمتعون بمناعة عالية، ولذلك لن يكونوا عرضة للإصابة بالمرض، وهو ما يسميه علماء النفس بالتحيز التفاؤلي Optimism Bias، لذا نراهم يخالفون الإجراءات والقرارات، وهو أمر يجب مخاطبته، فالواضح أن الجميع عرضة لهذا المرض الذي تتطور معلوماتنا عنه بشكل متسارع الآن.
  4. أيضا، يؤدي الرعب أو الذعر (وليس بالضرورة التخويف) الى تصرفات غير عقلانية، كإلقاء الذات في التهلكة من خلال عدم الاستماع الى التحذيرات الهادفة لحماية الشخص من سلوكه، فيتصرف بعكس ما هو مطلوب لسلامته وسلامة المجتمع، وهو تصرف المذعور وليس ناجما عن “شجاعة متهورة” أو “رجولة”.
    لضبط الخروج الى الشوارع، يجب أن يعتمد الخطاب العام ورسائله (وأنا كغيري من الأردنيين معجب جدا بما يبثه وزير الصحة من رسائل مدروسة ولبقة تلقى الكثير من القبول مجتمعيا) ما توصل اليه العلم سواء من نظرية النكز Nudging Theory والمتبناة حاليا في علم الاقتصاد السلوكي الذي يستعير كثيرا من العلوم الأخرى ويتحدى العديد من النظريات الاقتصادية التقليدية أو من العلوم الأخرى.
    ومن الضرورة أن يحتوي الخطاب العام ورسائله على عبارات تؤكد للشخص أن الخطورة قد لا تكمن في إصابته لاعتقاده بأنه غير معرض للإصابة (على الرغم من أن هذه خرافة غير مؤكدة يتحداها ما نعرفه بأن 38 % من المصابين في أميركا هم من فئات عمرية دون 55 عاما)، بل في نقلها الى أبيه وأمه وإخوته وعائلته وعشيرته وأحبائه وأصدقائه.
    من المؤكد أن الجائحة سيكون لها آثار سالبة على رفاه المجتمع، لذا فإن اللحظة الحالية تتطلب انتهاج شعارات مثل “الحكومة تعمل بكامل مؤسساتها”، و”على الرغم من كل شيء سننجح” و”كلنا شركاء”.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock