آخر الأخبار حياتنا

الاكتئاب: اضطراب نفسي قاتل أحيانا

عمان- ليس كل من قال أنا مكتئب هو حقاً كذلك، فالاكتئاب مرض نفسي لا يستهان به، وله صورة سريرية مميزة، ومعايير خاصة لتشخيصه.
ويعرّف البعض الاكتئاب بأنه الشعور بالحزن والتعاسة، وقد يكون ذلك صحيحاً، غير أن الكثير منا يشعر، أو يعاني، من الحزن والتعاسة في فترة من فترات حياته، ولمدة قصيرة، غير أننا لا نستطيع اعتبار ذلك اكتئاباً. ومن هذا المنطلق يمكن تعريف الاكتئاب الحقيقي (المرضي) بأنه اضطراب مزاجي Mood Disorder يتجلى فيه الشعور بالحزن وعدم الاستمتاع بملذات الحياة، والتشاؤم والإحباط وتدني الطاقة الجسدية والعقلية. ويؤثر كل ذلك سلباً على الأداء الوظيفي والواجبات اليومية لأسابيع أو أشهر عدة.
وبتعبير آخر، أستطيع القول إن الشعور بالحزن (أو ما نسميه “اكتئابا”) يحدث عند الجميع، غير أن هذا الشعور يتلاشى عادة ويزول تلقائياً بعد مرور فترة قصيرة من الزمن. في حين أن الاكتئاب المرضي هو عبارة عن اضطراب نفسي طويل الأمد يتمظهر في الحزن وعدم الاستمتاع بمباهج الحياة، يؤثر سلباً على حياة الإنسان المصاب به، وعلى نشاطه اليومي.
إضافة إلى أنه يؤثر سلباً على حياة الأشخاص المقربين من المريض. ويحتاج المريض في هذه الحالة للتدخل الطبي للتخفيف من معاناته، من جهة، ولمنع تطور مضاعفات الاكتئاب، من جهة أخرى. علماً أن أغلب حالات الاكتئاب تستجيب جيداً للعلاج.
ويعد الاكتئاب من أكثر الأمراض الجسدية والنفسية التي تؤدي إلى إزعاج وإعاقة المصاب به. فالعذاب النفسي المستمر والتفكير بالانتحار تؤثر سلباً في نوعية حياته (علماً أن مرضى الاكتئاب معرضون لخطر الإقدام على الانتحار أكثر من غيرهم من المرضى، الذين يعانون من اضطرابات نفسية أخرى). وقد أشارت دراسة أجرتها الدكتورة Alize Ferrari من جامعة Queensland في أستراليا، صدرت نتائجها في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2013، إلى أن الاكتئاب يأتي في المرتبة الثانية (بعد آلام منطقة أسفل الظهر) في إعاقة (عدم مقدرة) المريض عن القيام بواجباته اليومية (البيتية والوظيفية) من حيث عدد سنوات حياته، وذلك على مستوى العالم.
وفي المملكة المتحدة، احتل الاكتئاب المرتبة الثالثة، من جهة عدد السنوات التي يعيش فيها المريض معاقاً، وغير قادر على القيام بواجباته اليومية.
وبينت الدراسة نفسها أن أعلى معدلات النسبة الانتشارية للاكتئاب الشديد (السريري) Major Depression سُجلت في أفغانستان يليها العالم العربي، في حين سُجل أدنى معدلات هذا النوع من الاكتئاب في اليابان.
وقد يكون الاكتئاب مرضاً قائماً بحد ذاته، وفي هذه الحالة يسمى “اكتئابا أوليا”. أو قد يكون عرضاً من أعراض أمراض جسدية ونفسية أخرى. وفي هذه الحالة يسمى “اكتئابا ثانويا”. وفي هذا المقال سنركز جل اهتمامنا على الاكتئاب الأولي.
أسباب الاكتئاب
أكثر النظريات ترجح أن السبب الرئيسي الذي يقف وراء إصابة الإنسان بالاكتئاب هو انخفاض مستوى الناقلات العصبية Neurotransmitters في الدماغ وأهمها “السيروتونين” Serotonin و”النورأدرينالين” Noradrenaline. والناقلات العصبية هي عبارة عن مواد كيميائية تستخدم لتحقيق الاتصال بين الخلايا العصبية. لذلك نلاحظ أن تناول المريض للأدوية المضادة للاكتئاب (والتي ترفع من مستوى الناقلات العصبية المذكورة سابقاً) يؤدي إلى التخفيف أو القضاء على أعراض الاكتئاب.
وهنالك عوامل عدة تساعد على حدوث هذه التغيرات الكيميائية في الدماغ، وهي:
– المورثات: أشارت بعض الدراسات إلى أن لبعض أنواع الاكتئاب أسباباً وراثية لها علاقة بمورثات (جينات) معينة.
– الشخصية: كذلك أشارت بعض الدراسات إلى أن لأنواع معينة من الشخصية personality قابلية للإصابة بالاكتئاب.
– المحيط والمجتمع: يؤدي فقدان شخص عزيز (سواء بسبب الموت أو السفر) وتدني الحالة الاقتصادية وفقدان وظيفة وتوترات أخرى، إلى إصابة الشخص بالاكتئاب. كذلك يؤدي الإيذاء الجسدي والجنسي والعاطفي في سن الطفولة إلى إصابة الطفل بالاكتئاب مستقبلاً. إضافة إلى أن الخلافات العائلية طويلة الأمد تؤدي إلى إصابة بعض أفراد العائلة بالاكتئاب.
– الأمراض والأدوية: تؤدي الإصابة ببعض الأمراض المزمنة وتناول بعض الأدوية والإدمان على المخدرات إلى إصابة الشخص بالاكتئاب (اكتئاب ثانوي).
– الشيخوخة: قد يؤدي فراغ البيت من الأبناء إلى معاناة المسن من الوحدة وفقدان الدعم المعنوي، وهذا قد يصيبه بالاكتئاب.
وهناك النظرية الهرمونية التي تنص على أن بعض التغيرات الهرمونية تؤدي إلى إصابة الشخص بالاكتئاب. فمثلاً، قد يؤدي الانخفاض المفاجئ لمستوى هرموني الأستروجين Estrogen والبروجسترون Progesterone بعد الولادة مباشرة، إلى إصابة المرأة الحامل باكتئاب ما بعد الوضع Postpartum Depression.
كذلك يلاحظ لدى وصول المرأة سن انقطاع الحيض (سن اليأس) انخفاض مستوى الهرمونات المذكورة سابقاً، والذي قد يؤدي بدوره إلى إصابة المرأة بالاكتئاب.
والاكتئاب أكثر الأمراض النفسية انتشاراً على المستوى العالمي؛ إذ إنه يصيب أكثر من 350 مليون شخص في العالم، أي ما يعادل 4 في المائة من سكان العالم. ويصيب الاكتئاب نحو 15 في المائة من النساء و8 في المائة من الرجال (والسبب الذي يقف وراء ذلك هو التغييرات الهرمونية التي تتعرض لها المرأة في مراحل حياتها المختلفة). كذلك فإنه يصيب الناس في جميع الأعمار، غير أنه أكثر انتشاراً في الفئة العمرية 25-45 سنة (من كلا الجنسين).
يعد كل من المزاج الاكتئابي (حزن، وضيق) وفقدان الاستمتاع بمباهج الحياة، من الأعراض الرئيسية للاكتئاب.
ومع ذلك، فإن الاكتئاب يختلف من شخص إلى آخر، مع الحفاظ على بعض الأعراض والعلامات المشتركة للاكتئاب. وكلما زاد عدد هذه الأعراض وطالت مدتها، زادت شدة الاكتئاب وبالتالي المعاناة.
أما الأعراض والعلامات العامة للاكتئاب، فهي:
– الشعور بالحزن واليأس والضيق.
– اللامبالاة وعدم الاستمتاع بمباهج الحياة، التي اعتاد المريض أن يستمتع بها.
– فقدان الرغبة الجنسية.
– الخمول والشرود وعدم التركيز (وهذا قد يؤدي الى النسيان).
– التردد في اتخاذ القرارات.
– شعور المريض بأنه إنسان تافه وعديم القيمة ويفقد الثقة بذاته.
– الشعور بالذنب وتقريع الذات، بسبب وقوع حوادث مؤسفة من الصعب تفاديها أو تجنبها لا ذنب له فيها.
– إرهاق عام وفقدان الدافع للقيام بأدنى جهد عقلي وجسدي.
– غضب وهياج لأتفه الأمور.
– عدم المقدرة على النوم (وأحياناً قد يكثر المريض منه).
– فقدان الشهية لتناول الطعام (وأحياناً زيادتها).
– البطء في الكلام والتفكير.
– التفكير في التخلص من الحياة (وأحياناً قد ينجح في الانتحار).
– شكاوى ومعاناة جسدية، بدون وجود أسباب واضحة لها، مثل: ألم في أسفل الظهر والمفاصل وصداع.
الصورة السريرية
كما ذكرت سابقاً، فإن تردي المزاج وعدم التمتع بملذات الحياة، التي سبق واعتاد المريض على التمتع بها، يشكلان المحور الرئيسي للاكتئاب. وقد يصرح المريض بأنه يشعر بالحزن وفقدان الأمل وأنه شخص تافه وعديم القيمة.
ومن اللافت للنظر أن المزاج المكتئب يختلف عن المزاج الحزين الطبيعي، الذي يلي فقدان شخص عزيز، وأن الأول يعذب المريض، ويصفه بأنه عذاب مؤلم. كذلك فقد يشكو المريض المصاب بالاكتئاب من عدم مقدرته على البكاء وبأنه يتعذب ويقاسي. وتشير بعض الدراسات إلى أن 12 في المائة من مرضى الاكتئاب يقدمون على الانتحار، في حين يعاني 66 في المائة منهم من أفكار انتحارية.
وتضيف أن 98.5 في المائة من المرضى المكتئبين يعانون من تدني الطاقة والمجهود العقلي والجسدي، ويجدون صعوبة في إنهاء الواجبات والمهام الملقاة على عاتقهم، سواء كانوا مهنيين أو موظفين أو طلاب مدارس. فمثلاً نرى ربة البيت غير قادرة على القيام بواجباتها البيتية، مثل تحضير الطعام وتنظيف البيت.
وتشير دراسات أخرى إلى أن نسبة كبيرة من المرضى تعاني من فقدان الشهية للطعام، مصحوباً بفقدان أكثر من خمسة في المائة من وزن أجسامهم خلال شهر من الزمن، إضافة الى عدم المقدرة على النوم المريح والطبيعي. غير أن نسبة قليلة من المرضى يصابون بزيادة الشهية للطعام مع زيادة الوزن والإفراط في النوم. وقد ارتأى بعض العلماء والباحثين أنه من المناسب اعتبار هذه النسبة الضئيلة من المرضى بأنها تعاني من أعراض وعلامات شاذة عن بقية المرضى المصابين بالاكتئاب.

الدكتور جابي كيفوركيان
استشاري طب العائلة
www.altibbi.com

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. تقرير غير صحيح
    بعض الاطباء النفسين سقط بالاكتئاب ونصدم من هذا المرض ليس حزن طبيعي كما يحدث مع الناس اذا اردت ان تجرب الاكتئاب اجلس في حوض ماء زجاجي وقبل وبعد جلوسك مدة عشر ثواني انظر لدنيا وانتا مختنق قليلا من خلف الزجاج والماء حال مريض الاكتئاب اصعب من ذالك الكثير جرب الاكتئاب من اعراض انسحابية من بعض الادوية وسجدوا لله شاكرين بعدما عادوا للحياتهم وشاهدوا هذا المرض المخيف الذي يعتبره البعض اشد مرض بل ان مريضة بسرطان الثدي اصابها الاكتئاب وقالت السرطان ارحم منه بكثير بعضهم يسقط فيه من المدمنين من قوة صدمته بالمرض يقوم بتكسير كل شي امامه ليس بسبب الجنون بل بسبب انصدامه بهذا المرض البشع

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock