أفكار ومواقف

الانبعاث القومي: الوهم والحقيقة

مع صعود النخبة العسكرية المصرية في الحياة العامة بقيادة الفريق عبدالفتاح السيسي، ازداد الحديث المصحوب بشعارات وخطاب سياسي وثقافي يستعيد الزعيم القومي عبد الناصر، فيما تتردد نغمة هذا الخطاب بين إحياء مقولات القومية العربية ودوره التاريخي المركزي في مواجهة الخطاب الاسلامي وبين توظيف عودة الناصرية في البحث عن الكرامة الوطنية، وفي الحالتين ثمة توظيف سياسي ما يشي الى أن الظاهرة ليست أصيلة ولا يمكن البناء عليها.
في المقابل نلاحظ أن انطلاق الحركات الاحتجاجية والثورات العربية في عام 2011 قد كشفت عن قوة الثقافة القومية العربية على مستوى المجتمعات والشارع، وأن فكرة الحدود السياسية الصلبة تذوب أمام قدرة هذه الثقافة على النفاذ حيث تحولت الحدود السياسية الصلبة إلى حدود شفافة، وهو الأمر الذي لم يبحث بشكل جاد.
لكن على أرض الواقع وفي إطار تحليل خرائط الصراع وبناء التحالفات، نجد أن الوطنيات العربية الجديدة لا تحمل تناقضات مع الثقافة القومية السائدة  وحسب، بل ومع فكرة الدولة الوطنية وسلوكها في المجال الحيوي، ولا تحمل تناقضات مع الثقافة المشتركة بل مع أبسط مضامين الصلات الثقافية للعيش في محيط مشترك. قبل عقد كنا نتصور أننا أمام بداية نمو ظاهرة وطنيات عربية تحمل بعض شروط المناعة ضد العنف المباغت، مع إمكانية بروز حركة إصلاحية حقيقة تأتي من الداخل هذه المرة، ولكن مسار الأحداث والتحولات السياسية والاقتصادية قاد حتما الى خيبة أمل جديدة واكتشاف زيف ظاهرة نمو الوطنيات، وأنها لا تنتج عناصر بنائية جديدة بل عناصر دافعة نحو المزيد من الفوضى. وما الصراع الراهن وطبيعة التحالفات الإقليمية والدولية إلا الدليل على تراكم هذا الفشل وما ينتجه من اغتراب النخب السياسية الجديدة.
   تزداد يوماً بعد يوم حالة اليأس والاغتراب السياسي والثقافي في المجتمعات العربية، وتطال الأفراد والنخب ومؤسسات المجتمع المدني على حد سواء في أجواء من الاختناق المعنوي وازدياد الشعور باللاجدوى وتعمق الإحساس بفقدان القدرة على المجابهة مع الذات ومع الآخر، الأمر الذي يحول هذا الاغتراب ومشاعر الاختناق الى عنف نحو الداخل مرة يعبر عنها داخل المجتمعات ومرة يتوارى خلف هذا النمط من الوطنيات.
   ترفع الستائر عن أحوال المجتمعات العربية في لحظة تاريخية قاسية تجتمع فيها وطأة الاحتلالات الجاثمة والاختراقات الأمنية وفشل التنمية، إلى جانب حالة فقدان الوزن وفقدان القدرة على الفعل الإرادي، حيث تقف هذه الوقائع جنباً إلى جنبِ حالةٍ من الرغبة في فرض العزلة والاختناق والتعتيم على أحوال الأفراد والمجتمعات.  المجتمعات العربية لا تعيش اليوم مشهد الفراغ الاستراتيجي وغياب المناعة وتراجع القدرة على الاشتباك مع العالم بحثاً عن المصالح الوطنية بما يعنيه الاشتباك من صعود أو تراجع، بل تحيا مشاهد متقطعة معظمها ينتهي بالاندحار، ما يقود الأفراد الى فجوة نفسية عميقة وغربة مريرة.  ورغم ضجيج هذه الوطنيات يزداد شعور الناس بأن هذه الأوطان ليست لهم.
 على كل الاحوال، الظاهرة الراهنة أنه في الوقت الذي تبدو فيه الوطنيات الجديدة غير معنية بالفكرة العربية، فإن الثقافة العربية تعد الجسر المتين الذي تمر فوقه أفكار وممارسات الفرقاء جميعا، حيث تثبت الأحداث ما فيها من خواء ومن قوة في نفس الوقت.

[email protected]

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. الجهل والاميه لا تستطيع اقامة نظام قوى قابل للحياه
    لا اعتقد سيدي ان الامه التي تشكل فيها الامه نسبه مخيفه حيث انه وفي بلد القوميه الاول مصر فالأميه تفوق 60 في المئه قادره على تشكيل نظام سياسي ذو قواعد متينه وقويه التشكيل القادم من القاعده نحو الهرم وليس العكس ففي كل المتغيرات السياسيه التي حدثت في البلاد العربيه كانت ام بانقلابات عسكريه او تاتي بطريقه واخرى من راس الهرم السياسي المشكله ان العرب هى امة الشك والاساءه لكل شئ بامتياز والمشهد القائم الان لخير دليل على ذلك فقد اساؤا الى الدين الحنيف تحت مسمى الجهاد في هذا البلد العربي كما اساءه الاشتراكيون والماركسيون والقوميون من بعث صدام الى بعث الاسد الى كل تلك النظريات السياسيه الاجتماعيه الاقتصاديه فحولت الماركسيه عند العربي الذي اتبعها الى دين ولم يرى سوى الغاء وجود الخالق عز وجل والبعثيون سقوا ارض البلاد التي حكموها بدماء ابناء شعوبهم فالجهل والاميه لا تستطيع ولادة نظام قوى قابل للحياه.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock