أفكار ومواقف

الانتخابات والتغيير المطلوب

تعتقد جميع دول العالم اليوم أنها ديمقراطية، وبرغم أن عددا من الدول اليوم قد تكون ديمقراطية فإن تاريخ مؤسساتها السياسية يكشف مدى هزال وهشاشة الترتيبات الديمقراطية، ويكشف تاريخ أوروبا في القرن العشرين أن الديمقراطية صيغة حكم استثنائية الصعوبة إيجادا وصيانة، وكادت الفاشية النازية والستالينية أن تستأصلها من جذورها، لقد خرجت الديمقراطية من أرحام صراعات اجتماعية بالغة الحدة، وكثيرا ما كان يضحى بها في مثل هذه الصراعات.


وقد تشكلت الديمقراطية باعتبارها ثقافة ونظاما سياسيا حول الثورة الصناعية وتداعياتها السياسية والاقتصادية، وبما أن الأنظمة الاجتماعية والثقافية تتشكل حول الأنظمة الاقتصادية وأنماط الإنتاج والحماية، فإنها (الديمقراطية) تمثل وعي الذات الذي تشكل في الغرب، وقد اقتبسنا هذه الرؤية منذ منتصف القرن التاسع عشر، وبدأت تنعكس على فهمنا للإسلام والتاريخ والتراث، فاكتشفنا على سبيل المثال أن الديمقراطية مبدأ إسلامي أو في أسوأ الأحوال لا تتعارض مع الإسلام، ولكنها بقيت منتجا معزولا عن البيئة التي شكلت هذا المنتج، وهكذا فإن العلاقة مع الغرب منذ أكثر من مائتي عام، من احتلال ومقاومة وحوار وتجارة وتعليم وسياحة لم تنشئ بعد النظام الاقتصادي والإنتاجي الذي يستنبت الديمقراطية، وهذا لغز محير!


فعندما نشأت الدول القومية والمدن والمهن وأنظمة الأعمال والاقتصاد الجديدة كان يفترض أن تتبعها أنظمة جديدة من العلاقات السياسية والاجتماعية قائمة على المدن والأمكنة والأعمال والمهن والمصالح والصداقة، وأن يعاد تجميع الناس وتحركهم الانتخابي على هذا الأساس.


لماذا لم يؤد النظام الانتخابي للدوائر والمدن والمحافظات إلى قيام تحالفات وتجمعات ومؤسسات وعلاقات اجتماعية قائمة على أساس هذه الدوائر والمناطق تشكل رؤى وأفكارا ومطالب للناس يتحركون لتحقيقها عبر التنافس الانتخابي؟ ولماذا لا ينعكس الطابع الخدماتي للاقتصاد الأردني على المجالس النيابية والبلدية والجماعات السياسية والاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني؟ فيفترض أن يشكل هذا الواقع أساسا لبرامج لتطوير الأعمال والمهن وتصدير الخدمات، وتشكيل مؤسسات وإنجازات في الإسكان والتعليم والصحة والرفاه للجماعات المهنية؟ كيف لا يبدو أن ثمة علاقة بين الانتخابات النيابية والنقابية والبلدية وبين واقع مرير لمنتسبي النقابات والاتحادات العمالية والمهنية؟


 لماذا لا تؤثر الانتخابات على حالة السائقين على سبيل المثال والذين يبلغ عددهم ربع مليون، ولكنهم يعانون من ضياع كل أو معظم الاحتياجات الأساسية المفترض أن يحصل عليها أي عامل، الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي، والأمان الوظيفي المعقول، والرعاية الاجتماعية، والمشاركة الثقافية والاجتماعية؟ كيف يجعل السائقون والمزارعون وسائر الحرفيين والعمال والمهنيين من الانتخابات التي تجري وسيلة للمشاركة العامة، والحصول على فرص أفضل في الحياة والعمل والرفاه والترويح والتعليم والرعاية والعدالة؟


كيف يجعل سكان الأحياء والبلدات والمدن من الانتخابات أداة للحصول على مدارس أساسية وحدائق ومكتبات عامة ومراكز صحية؟ كيف يحصل المواطنون على العدالة والشعور بالرضا والمشاركة؟ وما الذي يجعل الانتخابات أمرا مختلفا عن الاحتفال بعيد الشجرة؟


وما الذي يجعل العمل العام والتطوعي والمشاركة السياسية والاجتماعية قاعدة مشتركة بين جميع المواطنين وليس ترفا تمارسه فئة أنيقة معزولة مستعلية ترطن بما لا تقتنع به؟ وكيف لا يكون الفاسدون هم الأكثر انتماء للوطن باعتبارهم الفئة المستفيدة منه؟ فالانتماء ليس فقط واجبا مقدسا بلا أخذ وعطاء، وعندما يجد المواطنون أنهم لا يحصلون مقابل الضرائب التي يدفعونها على حقهم الدستوري الذي يسند السلطة والمرجعية إلى الأمة فلا يبقى منتمون إلى الوطن سوى المستفيدين على نحو مستمد من غير القاعدة السابقة، وعندها يكون السؤال أكثرة قسوة وإلحاحا، ما معنى الانتخابات وما جدواها إذا كنا لا لزوم ولا أهمية لنا؟


[email protected]

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock