أفكار ومواقف

الانتفاضات الشعبية العربية.. السيناريوهات والتداعيات

الربيع العربي كما أفهمه هو انتفاضة شعبية جرت في عدة دول عربية، بهدف تحقيق الحرية والكرامة والعدالة والمساواة، والانتقال من الديكتاتورية إلى الديمقراطية، ومن انفراد القيادة باتخاذ القرار إلى مشاركة الشعب في القرارات المصيرية والمعيشية، السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية.
وشهد الربيع العربي ثلاثة اوجه للانتفاضة الشعبية: أولها انتفاضة شعبية سلمية، وان تخللتها، في بعض الأحيان، معالجات أمنية منخفضة، كما جرى في مصر وتونس. ثانيها، اقتتال بين مؤيدي الانتفاضة والحكم، وصل إلى حد الحرب الاهلية، كما حصل في اليمن وليبيا، ويحدث الان في سورية. وثالثها تلاقي إرادة القيادة مع رغبات ابناء الشعب في الاصلاح، كما حدث في المغرب والأردن.
وافرزت احداث الربيع العربي، مخرجات تختلف من دولة إلى اخرى، اعتماداً على طبيعة المجتمع ومؤسساته الاجتماعية والمدنية والعسكرية. ففي تونس ومصر، تدخل الجيش بقوة، وكان له الأثر الأكبر في الإطاحة برأس الدولة، وفتح الباب امام اجراء انتخابات، وتشكيل هيئات تأسيسية ودستورية جديدة، ورسم معالم النموذج الديمقراطي فيها.
وفي اليمن، أفرز البعد العشائري وأثره القوي في المؤسسة العسكرية، تعارضاً والتباسا بين مطالب المعارضة، متضاربة الاتجاهات، مع متطلبات الموالاة، ما سمح بالوصول إلى صيغة توافقية لانتقال السلطة، تمهد الطريق لانتخابات نيابية حرة، وبدء مسيرة الاصلاح. وفي ليبيا وسورية، اخذت الانتفاضة منحى قتالياً شرساً، شهد تدخلا عسكرياً اجنبياً مباشراً في ليبيا، وآخر غير مباشر في سورية. أما في الأردن والمغرب فقد اخذت القيادة زمام المبادرة، ووضعت برنامجاً للإصلاح، توافقت عليه غالبية القوى السياسية، وتضمن تعديلات دستورية مهمة، ووضع قوانين إصلاح سياسي تساعد على زيادة المشاركة الشعبية في صنع القرار، ووضع قوانين إصلاح سياسي تساعد على زيادة المشاركة الشعبية في صنع القرار، وبناء انموذج ديمقراطي قابل للتطوير المستمر ضمن منهجية توافقية بين اطراف المعادلة جميعها.
وشهد الربيع العربي، أيضاً، ظهور تحالفات بين قوى المعارضة مختلفة الاطياف لتحقيق أهداف الانتفاضات الشعبية. فشهدت مصر وتونس وليبيا وسورية، تحالفات بين اليسار واليمين وحركات الاسلام السياسي، لتحقيق الهدف المشترك في ازاحة الانظمة القديمة. وبعد ذلك، بدأت تظهر دلائل واضحة على ان هذه التحالفات المتناقضة ايديولوجياً، تفككت في اتجاهين متناقضين حول تطوير انموذج الحكم المرجو. ففي مصر، استأثر الإخوان المسلمون بالحكم، وتم إقصاء الأطياف السياسية الأخرى، اليسارية والقومية والليبرالية، والتي انتقلت، بالتالي، إلى المعارضة.
وبالنظر إلى مساعي الاخوان وحلفائهم، استغلال الشرعية الانتخابية المحدودة لرئيس الجمهورية في فرض انموذج سياسي خاص بهم، عادت الحراكات الجماهيرية إلى الميادين للتعبير عن حضورها ورفضها لما تقرره سلطة الحكم، وكذلك الحال إلى درجة اقل في تونس، بينما شهدت اليمن والمغرب والأردن العودة إلى الاستقرار، وشهدت ليبيا انتخابات تشريعية افرزت اغلبية ليبرالية حجمت قوة الاسلام السياسي، غير ان التجربة الليبية ما زالت في بدايتها وستظهر الايام نتائجها.
اذا كان هدف الربيع العربي قيام انظمة حكم ديمقراطية، فإننا نشهد اليوم، تفاوتاً في مدى قدرة الدول والمجتمعات والقوى السياسية، على استيعاب متطلبات الديمقراطية. ونحن اليوم أمام مفترق طرق بين ثلاثة نماذج ممكنة هي:
(1) نموذج الديمقراطية التقليدية الذي يضمن شرعية الاغلبية المؤقتة بالولاية الانتخابية، ويحافظ، خلال ذلك، على حقوق الاقلية وحريتها في التعبير عن مواقفها وحقها في ابلاغ رسالتها إلى الجماهير، ضمن الاطر الديمقراطية المتعارف عليها، في سياق تداول السلطة، حيث يكون الباب مفتوحاً لتحول الاقلية إلى اغلبية وبالعكس.
(2) نموذج الممارسة السياسية الجماهيرية، بمعنى استخدام الاقلية، للحراكات الشعبية المستمرة، لتقويض شرعية الاغلبية. وبغض النظر عن صحة المواقف السياسية للطرفين المتخاصمين هنا، فإن الممارسة السياسية الجماهيرية، تؤدي، في النهاية، إلى الفوضى وعودة الدكتاتورية كوسيلة وحيدة لتحقيق الامن والاستقرار.
(3) نموذج الديمقراطية التوافقية، فبالنظر إلى الطابع التعددي، إثنياً ودينياً وطائفياً ومذهبياً وثقافياً، في المجتمعات العربية، تتوافق القوى السياسية على نبذ الأنموذج الديمقراطي الاغلبي والانموذج الجماهيري، لصالح المشاركة الجماعية في الحكم والقرار، وفقاً للاحجام التي تفرزها صناديق الاقتراع، على ان لا يكون هناك انفراد في السلطة او في فرض نماذج ثقافية احادية.
ففي المثال المصري، ادى استخدام الاخوان المسلمين لاغلبيتهم المحدودة في محاولة فرض نموذج ديني على الدولة إلى تمرد طبيعي للفئات والقوى العلمانية والقبطية، ما اعاد البلاد، مرة اخرى، إلى الصراع في الميادين الجماهيرية.
اقل من سنتين هما عمر الربيع العربي، لا تكفيان للحكم على نتائجه على المدى البعيد. ولكن نظرة سريعة إلى ما تم تحقيقه حتى الآن، تعطي بعض المؤشرات الاساسية، ما يمكننا من تقديم بعض الاستنتاجات للنقاش، وهي:-
اولاً، في باب الايجابيات، نلاحظ حدوث تغير نوعي في حركية البنى الاجتماعية السياسية العربية، فالحقائق تقول ان الربيع العربي كسر حاجز الخوف عند المواطنين، واوجد وسائل حديثة للحشد الشعبي وتنظيم الحوارات حول القضايا المطروحة على الساحة، من خلال استخدام وسائل التواصل الاجتماعي الالكترونية التي تحولت إلى اهم طرق الحشد والتنظيم والتعبير عن الرأي حول مختلف القضايا. ويمكننا ان نقدر حجم فعاليتها السياسية من خلال قدرتها على استقطاب الشباب والنساء -وهما فئتان كانتا مغيبتان عن العمل العام- إلى المشاركة الكثيفة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وكل هذا سيكون له نتائج ايجابية على المدى البعيد، فجيل اليوم اصبح حاضراً، اكثر من اي وقت مضى، في عملية تشكيل مستقبله وافراز قياداته السياسية وبناء التحالفات السياسية وتنظيم الاحزاب على أسس ايديولوجية جديدة. واهم نتائج هذا التغيير النوعي هو ان ظهور القيادات اصبح ينبع من القاعدة، من بعد، لاستقطاب القواعد الاجتماعية والسياسية. ومن المعروف ان نسبة نجاح الاحزاب النخبوية في الاستقطاب، كانت، في معظم الاحيان، ضعيفة، باستثناء الحركات الاسلامية التي استخدمت التحشيد على اسس ميول دينية موجودة اصلاً لدى المجتمعات العربية، وتحويلها إلى ميول سياسية من خلال التواصل الاجتماعي عبر نقاط تلاق متوفرة وكثيفة الجماهيرية كالمساجد، او عبر تنظيم الاعمال الخيرية لصالح الفقراء، مما ينتج عنه الولاء السياسي. وهو ما سمح للحركات الاسلامية بالحصول على ركائز شعبية، مكنتها من ان تغدو البديل المرجح لانظمة الحكم التقليدية، في بعض دول الربيع العربي مثل تونس والمغرب ومصر، لكن سرعان ما  اظهرت التجربة الواقعية ان التبدلات الحاصلة في البنية الاجتماعية السياسية لم تعد تسمح بانفراد قوة دون سواها من قوى المجتمعات العربية بالحكم والقرار وفرض انموذج ثقافي احادي.
ثانياً، وفي باب السلبيات، نلاحظ ما يلي:
(1) انطلاق الانتفاضات الشعبية في ظل غياب القيادات والبرامج، فالهدف كان، في معظم الدول، اسقاط النظام القائم من دون تحديد الاطار البديل، وعندما تحقق هذا الهدف، حصل فراغ كبير في البنية الدستورية والتشريعية واضطراب الهوية الاقتصادية والثقافية لتلك الدول، نجمت عنه حالة من الفوضى السياسية ومحاولات اطراف عديدة، وفي كثير من الاحيان متصارعة ايديولوجياً، تلمس طريقها، وسط الفوضى، في بناء الدولة الديمقراطية الحديثة. وما زالت معظم دول الربيع العربي في هذه المرحلة.
بالمقابل، نجد انه في الدول التي بادرت قياداتها إلى اتخاذ اجراءات اصلاحية، فقد بقي البناء الدستوري والقانوني للدولة قائماً، واجريت التعديلات الدستورية والقانونية اللازمة للانتقال الديمقراطي في ظل استمرارية البناء الوطني للدولة، كما هو الحال في المغرب والأردن. لكن لا زال هناك المزيد من العمل الجاد لتحديد الهوية الاقتصادية والهوية الثقافية اللتين ما تزالان محل جدال. ولا بد من التوصل إلى توافق وطني حولهما، فحركة الشعوب العربية، في النهاية، لها هدف مركزي هو تحسين مستوى معيشة الانسان وصون كرامته من خلال بناء اقتصاد عادل وشفاف ومفتوح الامكانيات والفرص في التعليم والعمل والرخاء بالنسبة لكل الفئات الاجتماعية، مع ضمان حقها جميعا في حرية اتباع نمط الحياة والنموذج الثقافي الذي تتوخاه.
2 – ومن سلبيات الربيع العربي ايضا، ظهور النزاعات العرقية والطائفية والمذهبية في بعض دول الربيع العربي، مما يضعف الوحدة الوطنية ويهدد باستمرار الصراعات وحتى الانقسامات، وكانت حالة العراق بداية هذه الظاهرة السلبية التي جاءت نتيجة التدخل الخارجي لتغيير النظام العراقي بالقوة، ما ادى إلى انفراط الدولة، ونشوء كيان كردي في شمال العراق، وشيعي في جنوبه، وسني في وسطه، وبقيت نقاط التماس في بغداد وكركوك، نقاط تفجير للبلد كله. وارى، بعظيم الاسف، ان مثل هذا الانقسام ممكن في ليبيا وسورية. ولكن يحدوني الامل والثقة بأن الشعبين الشقيقين سيقاومان مثل هذا المصير.
3 – والسلبية الثالثة للربيع العربي تتمثل في ما رافقه، وما يزال يرافقه من انتكاسة اقتصادية في جميع بلدان الربيع العربي، بغض النظر عن النموذج السياسي الذي عرفه كل منها. فاقتصادات هذه الدول-المعتمدة على الاستثمارات والمساعدات الخارجية وحوالات المغتربين والسياحة وتصدير السلع والخدمات إلى الغرب- تراجعت بقوة، وهو ما شكل سببا اضافيا لعدم الاستقرار، وزيادة معاناة المواطن الاقتصادية والاجتماعية، فهو الذي يدفع ثمن المتغيرات السياسية، بدمه، كما حصل في العراق وليبيا واليمن وسورية او بمستوى معيشته كما حصل في جميع دول الربيع العربي.
عاش الأردن ويعيش معظم ايجابيات الربيع العربي وبعض سلبياته، وخصوصا في المجال الاقتصادي. الا انه علينا ونحن نعيش نجاحات ومصاعب المرحلة الانتقالية نحو الديمقراطية، ان نتذكر ما يتوفر لدينا من عناصر ايجابية في بنية الدولة الأردنية، وما أنجزناه من مكتسبات.
فأولا، يتمتع الأردن ببنية وطنية صلبة، قوامها قيادة ذات شرعية وارثة للثورة العربية الكبرى، وأهدافها الاصلاحية في الحرية والعدالة والوحدة والمساواة، تتلاقى مع وطنية أردنية متحدة على صيانة دولتها ووطنها من الفوضى والمشاريع المعادية، ومع حراك مجتمعي سياسي وطني ديمقراطي يسعى للتغيير في ظل الاستمرارية. وكل هذه قواعد متينة سوف تمكننا من اجتياز مرحلة الانتقال الديمقراطي، بأقل الخسائر وأعظم الإنجازات. واذكر، هنا، ان جلالة الملك عبدالله الثاني، كان يرنو، منذ عدة سنوات وقبل انطلاقة الربيع العربي، إلى تحقيق ذلك الانتقال الذي تعرقل جراء ظروف محلية واقليمية، من خلال اقتراحه لوحة سياسية حديثة لنشوء ثلاثة احزاب كبرى، تمثل اليمين والوسط واليسار، تتمكن من تداول السلطة، في صيغة ديمقراطية حديثة. وليس من دون دلالة، هنا، تكرار تصريحات جلالته بأنه وجد في الربيع العربي-على عكس معظم الانظمة العربية- فرصة لتحقيق آماله وخططه التحديثية.
وثانيا، حقق الاجماع الوطني الذي قاده جلالة الملك، جزءا كبيرا من الخطة الاصلاحية باجراء التعديلات الدستورية، التي ضمنت الحريات وكرامة الانسان وتحصين السلطة التشريعية وفصل السلطات ومنح السلطة القضائية الاستقلال التام وانشاء المحكمة الدستورية والهيئة المستقلة للانتخاب وتعديل قانون الانتخابات العامة باستحداث الدائرة الانتخابية الوطنية وضمان شروط النزاهة. وعشية الانتخابات العامة، اطلق جلالة الملك، مبادرته لاستكمال الانتقال الديمقراطي من خلال الاعلان عن اتباع نهج الحكومات البرلمانية بعد الانتخابات.
وثالثا، افرز الربيع الأردني حراكات شبابية ملتزمة، سوف تكون اذا ما تعاملت مع واقعها الجديد بجدية، نواة لاحزاب وتيارات سياسية برامجية، تنطلق من القاعدة الشعبية ولا تهبط اليها من صفوف النخب السياسية.
ورابعا، هذا، وفي الوقت الذي تراجعت فيه القضية الفلسطينية ومعاناة الشعب الفلسطيني إلى مكان متأخر في سلم اولويات دول الربيع العربي، فان قضية فلسطين وشعبها، بقيت مكونا رئيسيا في وجدان الأردن، قيادة وشعبا، وتعتلي سلم اولويات الأردنيين الذين اثبتوا، مرة اخرى، انهم لا يضيعون البوصلة.
الا انه كان لمرحلة التغيير، ثمن دفعناه، وما نزال ندفعه تمثل في الآتي:
اولا، انعكست التغييرات في المنطقة على الاوضاع الاقتصادية بشكل سلبي، فقد كان لوقف إمداد الأردن بالغاز المصري اثاره السلبية على عجز الموازنة وزيادة الطلب على العملات الصعبة لتوفير البديل النفطي لانتاج الكهرباء، كما تأثرت نسبة من القطاع السياحي والصادرات، وتعمقت ازمة سوق عمان المالي وتعثر الشركات، وسط ضعف النشاط الاقتصادي بشكل عام.
ثانيا، انعكست حالة الحراك الجماهيري على بعض اوجه الحياة السياسية والاجتماعية سلبيا، فكان للانفلات الامني في بعض المناطق، وفي بعض الاحيان، اثر سلبي على هيبة الدولة، وتحول العنف المحتمعي والمشاجرات في الجامعات إلى ظاهرة بارزة، ووصلت قناعة بعض المواطنين إلى حد الشعور بأنهم بحاجة إلى حماية انفسهم بأنفسهم وتحصيل حقوقهم بأيديهم، وسط تنامي جو مبالغ فيه من عدم الثقة بين المواطن والمسؤول.
على اننا نستطيع ان نوجز، فنقول إن اهم ما ميز الربيع الأردني، هو ان القيادة والشعب كانا معا في خندق الاصلاح، منطلقين من مرجعية الدستور وسيادة القانون ومبادئ الدولة الأردنية في الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، ومن قيمها في التسامح والتعددية واحترام الرأي والرأي الاخر والمحافطة على كرامة الانسان.
وفي الختام. اؤكد على ان عملية التحول إلى النظام الديمقراطي الذي يتناسب مع خصوصيات كل دولة، هي عملية عسيرة نعيشها اليوم، وقد نرى منها سلبياتها بأكثر مما نرى ايجابياتها، فالربيع العربي ما زال في بداية الطريق، وسيفرز، في النهاية انظمة سياسية ودستورية مختلفة، ولكنها، في كل الاحوال لن تستطيع تجاهل حقوق المواطنين الاساسية في العيش الكريم والكرامة الانسانية وحرية التعبير وممارسة العمل السياسي الشرعي وتطبيق مبادئ الشفافية والمساءلة والمحاسبة ومحاربة الفساد وتعزيز النزاهة والعدالة والمساواة. وقناعتي كبيرة بوعي الشعب العربي، في كل اوطانه، بأن قطار الديمقراطية السياسية والاجتماعية، سوف يظل منطلقا في مساره، ولن يسمح لاي جهة، مهما كانت، بوقف رحلته نحو المستقبل او تحويلها عن مساره الصحيح.

* محاضرة ألقيت في الملتقى الاقتصادي الوطني الأول في الجامعة الأردنية الاثنين الماضي.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock