أفكار ومواقف

الانتقالية الاقتصادية الاجتماعية التي نعيشها

نجح ترامب في الانتخابات الرئاسية بناء على استراتيجية مفادها أن الاتجاه الحقيقي للناس ليس كما تظهره استطلاعات الرأي، لكن كما يمكن تحليله واستخلاصه من البيانات الضخمة في شبكات التواصل الاجتماعي (فيسبوك، وتويتر، ويوتيوب، وانستغرام،..)، وربما ينجح في الانتخابات القادمة بناء على استراتيجية مجربة وتقليدية وهي أن الحكم على تجربة مسؤول مستمدة من نجاحه أو فشله الاقتصادي، وهي ببساطة كيف وإلى أي مدى استطاع أو فشل في تحسين حياة مواطنيه.
والحال أن شبكات التواصل هي أكثر من يساعدنا على تقدير التحولات والأفكار الناشئة والمتغيرة والمنحسرة؛ ليس في بعده الظاهر المباشر فقط، لكن في تخمينها للفكرة الداخلية العميقة (العقل الجماعي الباطن) التي تشكل هذا الواقع الظاهر أو المتعين! هكذا يمكن بقدر من حسن النية والخيال والدأب أن ننشئ عمليات استماع طويلة ومعقدة لملاحظة وتقدير العقد الاجتماعي الجديد المتشكل أو الذي يبدو أنه قادم في الأفق، وللتنظيم الاجتماعي والأخلاقي القادم غدا أو المتعين اليوم، وهكذا أيضا تتشكل الحاجة والضرورة القصوى لاكتساب المهارات المعرفية والإبداعية والتفكير الحر والنقدي لدى جميع المواطنين في مختلف أعمارهم وأعمالهم، وتتشكل أيضا ضرورات جديدة للاهتمام بالتعليم في مراحله المبكرة منذ سن الثالثة لضمان حصول الأجيال القادمة على المهارات والصحة والغذاء والعادات ومهارات الحياة التي تجنبهم في قادم الأيام التهميش وضياع الفرص، ففي واقع الحال سيكون المجال أفضل لمن يمتلك المعرفة والصحة الجيدة، وحتى عندما تطبق معايير عادلة للمنافسة والعمل فإن الذين فاتتهم فرص التعلم الجيد والمكتسبات الصحية والاجتماعية والعاطفية الجيدة لن يكون في مقدورهم المنافسة والمشاركة.
تعصف بمجتمعاتنا اليوم عاصفة من الكراهية والإحباط والخوف كما تظهر بوضوح شبكات التواصل واتجاهات السلوك الاجتماعي وقيادة السيارات ومؤشرات الجريمة والإدمان والاكتئاب والسخط والتذمر والانتحار والشعور بالرضا، والانتاج والاستهلاك الثقافي والإبداعي، وبقدر أهمية التنظيم القانوني والاجتماعي للتعبير والمشاركة والتواصل الاجتماعي والإعلامي فإن ما هو أكثر أهمية أن ننظر ونفكر كيف تسود قيمتا الثقة والإتقان بما هما اليوم المورد والمحرك الأساسيان للأمم والأعمال والأسواق، ولسوء الحظ فإنهما قيمتان لا تحلان مجردتين أو مستقلتين عن التوقعات والسياق الاجتماعي والاقتصادي، وفي ذلك لن تساعدنا المنظومة الإرشادية والتعليمية والإعلامية إلا بقدر ما يتشكل أو يسود تنظيما اجتماعيا وأخلاقيا ناشئا عن استجابة حقيقية وتفاعلية مع الموارد والأولويات والقضايا الأساسية للمواطنين؛ كيف تتشكل المدن والمجتمعات حول مواردها واعمالها وقضاياها؟ ثم كيف تنشئ القيم المطلوبة والضرورية؟ لن تستطيع النخب والحكومات أن تحلّ القيم والمهارات والمعارف والاتجاهات المرغوبة من غير مشاركة الأفراد والمجتمعات، ولا يمكن أن تنشأ هذه المشاركة والمسؤولية من غير ولاية حقيقية على الموارد والأعمال.
إن استمرار الوضع الثانوي للمواطنين والمدن والبلدات والمجالس المحلية واللامركزية والنقابات والجمعيات كما يتكرس في التشريعات أو في الإنفاق العام أو توزيع الموارد والنفوذ والتأثير، أو المشاركة الاقتصادية أو المشاركة في ملكية الأصول والموارد والمؤسسات؛ كما هو أيضا في العقل الباطن الذي تكشف عنه التصريحات الحكومية والفتاوى الدينية والسلوك القيادي الشخصي والجماعي والإعلام والنشر؛ لن يساعد في إنجاح الأهداف والخطط الحكومية مهما كانت جميلة ومخلصة، فالتقدم لا يهبط منحة أو خطة من طبقة تهيمن على النفوذ والتأثير والموارد والفرص مهما كانت هذه الطبقة تملك من المعرفة والإخلاص والنبل والرغبة في التقدم، لكنه (التقدم) محصلة لتفاعل ومشاركة ومساواة حقيقية، أو هو عمليات صاعدة منبثقة من مختلف الطبقات والمصالح والمجتمعات، فلم تعد الأمم والدول هرما منظما، والساحة (الربض) التي تشكلت عبر القرون حول القلعة (الحكم والمؤسسات) والهيكل (الدين والثقافة) تتحول اليوم إلى ساحة مفتوحة تنظم نفسها بنفسها وتنشئ نخبها وثقافتها على نحو مستمد من المساواة المدهشة وغير المسبوقة!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock