أفكار ومواقف

الانسياق الشبكي

تمثل الشبكية السائدة اليوم فرصة لاختبار مجموعة من التوقعات والأسئلة في سياق التحولات الاجتماعية الكبرى المصاحبة للتكنولوجيا الجديدة التي صارت توصف بأنها “الثورة الصناعية الرابعة”، كيف يستطيع الأفراد أن يحلّوا مكان السلطة والمجتمعات في المسؤولية عن التنظيم الاجتماعي والأخلاقي، وتهيئة الفاعلين الاجتماعيين للقيام بأدوارهم ومسؤولياتهم وامتلاك المهارات والقيم والمعارف التي يحتاجونها لإدارة شؤونهم ومصالحهم وعلاقاتهم؟ كيف ستكون الشبكة قادرة على تنظيم نفسها على النحو الذي تواصل به أداء القيم والقواعد الضرورية للأمم والأفراد والأسواق والتي كانت سائدة في مرحلة “المركزية”؟ ما القيم الجديدة التي تقتضيها الشبكية، وما تلك التي تتراجع أو تنحسر؟
يجد كثير من المدونين والناشطين أنفسهم جزءا من عمليات واسعة للترويج والإساءة والإشاعة دون قصد أو تبين، وغالبا ما تكون غير دقيقة أو غير صحيحة ابتداء، وربما تكون جزءا من حملات منظمة ينفق عليها لأجل أهداف سياسية أو شللية أو جهوية أو شخصية، وفي ذلك فإن الحراك الاجتماعي والإصلاحي يمكن أن يتعرض للتشتيت والاستدراج وضياع البوصلة.
يحتاج المواطنون جميعا باعتبارهم مشاركين في شبكات التواصل الاجتماعي سواء بالتدوين أو التفاعل أن يتحلوا بمجموعة من “القيم والمهارات الشبكية” التي تجنبهم الانزلاق وراء أعمال واتجاهات لا يريدونها أو توقعهم في مخالفات أخلاقية أو قانونية، فالإساءة إلى أحد من الناس بالذم أو الإشاعة إن لم تكن مخالفة للقانون أو لا يطالها، فإنها مخالفة للضمير والأخلاق الإنسانية.
وقد شهدنا على سبيل المثال تداولا واسعا للإساءات والتجاوزات الانتقائية والظالمة تجاه شخصيات عامة، وهنا تصعد قيمة اجتماعية وأخلاقية أساسية يجب أن تنظم عمليات التدوين والتفاعل في شبكات التواصل، وهي أن المعارضة والانتقاد ليست هي الكراهية والإساءة والذم والقدح، فانتقاد الأعمال والسياسات والتشريعات وأخطاء المسؤولين وتجاوزاتهم لا يجوز أن تصل إلى ظلمهم مهما كانوا مخطئين، فالعدالة والتأثير في اتجاهها هي تسويات معقدة بين الفاعلين الاجتماعيين قائمة على حق الجميع بالعدل والمساواة والاحترام والكرامة، ولا يجيز الخطأ (ما نراه خطأ) أن يتعرض المخطئ (نظن أنه مخطئ) للإهانة والإساءة والشتم، يجب أن يدفع ثمن خطئه حسب القانون، وأن يظل في جميع الأحوال يتمتع بحقه وفرصه التي يمنحه إياها القانون.
ويمكن في دقيقة واحدة من التأمل ملاحظة الانحياز والانتقائية في الذم والانتقاد، ففي حين تمر أحداث في سلام توضع أخرى تحت المجهر والتشريح، وفي حين تتعرض شخصيات معينة للإساءة والتشهير تنجو شخصيات أخرى تقوم بالفعل نفسه، ويمكن أيضا ببساطة الملاحظة أن معظم عمليات التداول هذه تقوم على شخصيات ومواقع وصفحات وهمية أو غير صريحة.
ربما يكون هؤلاء الشخصيات العامة الذين يتعرضون للحملات الالكترونية ينتمون أو لا ينتمون إلى طبقة مغلقة من النفوذ والامتيازات، وربما يتحملون أو لا يتحملون مسؤولية أخطاء وحوادث وتجاوزات وقعت، وتقع كل يوم، لكن الكراهية والعداء والتعصب تظل أكبر الخطايا التي ننساق إليها على نحو جماعي كاسح، لأنه لا يمكن الإصلاح في ظل هذه الحالة من الانقسام الاجتماعي.
أعرف بالطبع ان معظم الشخصيات العامة التي تعرضت لحملات من الإساءة والتشهير قوية وقادرة على الدفاع عن نفسها ولا تحتاج إلي، ولكني وجميع الناشطين في المجال العام في حاجة إلى تحري العدل، وندافع عن حقوق الناس جميعهم لأجلنا جميعا، لتظل قيم العدل والكرامة سائدة وتحمينا جميعا، ولنحرر أنفسنا من الكراهية، ففي الوقت الذي تتحول فيه المعارضة إلى كراهية نعمل ضد أنفسنا، والكراهية بذاتها خطأ كبير يفوق في فساده وضرره الفساد المالي والإداري وإساءة الائتمان.
المعارضون والناشطون السياسيون والاجتماعيون والإصلاحيون هم أكثر الفئات حاجة الى التزام قيم التسامح والانضباط الاجتماعي والأخلاقي، حتى عندما يمارس خصومهم عمليات الإساءة والتشهير، أو يطلقون الذباب الالكتروني أو يحركون الجيوش الالكترونية، فليس لدينا سلاح للمواجهة سوى السلوك الاجتماعي والأخلاقي، وتجنب الكراهية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock