ترجمات

الانفصال وحل الدولتين ليسا الشيء نفسه

بِن وايت* – (فورين بوليسي) 17/4/2019

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ليس نتنياهو هو الشخص الوحيد الذي يعارض الحقوق الفلسطينية الأساسية. كل الزعماء الإسرائيليين تقريبا يرفضون المبادئ الأساسية للسيادة التي يمكن أن تصنع دولة فلسطينية حقيقية وقابلة للحياة.

  • * *
    بعد حملة انتخابية كان عنوانها الانقسام، استطاع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن يتغلب على التحدي الذي شكلته قائمة حزب “أزرق وأبيض” الذي يتزعمه بيني غاتس ويائير لابيد. وفي انتخابات هيمن عليها السؤال عما إذا كان سيُطاح بنتنياهو، تواجد الفلسطينيون بالكاد في عملية الاقتراع.
    أحد الأصوات التي أعطت الأولوية للقضية الفلسطينية بشكل خاص لم يكن حتى حاضرا في الانتخابات. فقد آثرت تسيبي ليفني، زعيمة حزب “هتنوعاه” (الحركة) –في أعقاب تفكيك آفي غاباي العلني لتحالفها “المعسكر الصهيوني” مع حزب العمل- أن تنسحب من الانتخابات، في ضوء أرقامها المخيبة في الاستطلاعات.
    وُصفت مغادرة ليفني على نطاق واسع بأنها ضربة لحل الدولتين. ووصف تقرير نموذجي في مجلة “الإيكونوميست” ليفني بأنها المرأة التي كانت ربيبة نتنياهو ذات مرة، والتي “أصبحت تدعم إقامة دولة فلسطينية”. لكن ليفني في الحقيقة هي مدافعة متحمسة عن الانفصال عن الفلسطينيين –والانفصال ودعم إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة حقيقية ليسا الشيء نفسه بالتأكيد.
    مع ذهاب ليفني، أصبح مؤيد الانفصال الأكثر وضوحا في الانتخابات هو زعيم حزب العمل، غاباي، الذي حصل على ستة مقاعد ضئيلة. وقد ركز برنامج الحزب أولا على المخاوف الاقتصادية والاجتماعية، لكنه خاطب أيضا الحاجة إلى طرح مبادرة سياسية تجاه الفلسطينيين. ومثل ليفني، فإن حافز حزب العمل للدفع بالانفصال عن الفلسطينيين هو الحفاظ على أغلبية يهودية في إسرائيل، أو “الشخصية القومية” للدولة.
    كما روجت قائمة حزب “أزرق أبيض” أيضا لسياسة الفصل، ولو بطريقة غامضة وبتعبيرات أقل تفصيلاً.
    وحتى نفهم أهمية التمييز بين الدعوات إلى الانفصال وبين دعم قيام دولة فلسطينية سيادية في ما هو حاليا مناطق فلسطينية تحتلها إسرائيل، يحتاج المرء فقط إلى إلقاء نظرة على محتوى ما يتم اقتراحه.
    في حين أن برنامج حزب العمل الانتخابي قدم خدمة شفوية لفكرة الدولة الفلسطينية، فإن الشيطان يكمن في التفاصيل. ذلك أن معالم هذه الدولة –حتى تتحقق، كما يقول حزب العمل، في نقطة غير محددة في المستقبل، بناء على تغييرات غير واضحة في الظروف- هي أن تكون مجردة من السلاح، مع ضم إسرائيل الدائم لما تدعى الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية المحتلة.
    ولم يتم تحديد عدد وحجم هذه الكتل، لكن تعهدا منفصلا من حزب العمل باستكمال مسار جدار الفصل على طول الضفة الغربية يوفر فكرة. سوف تكون القدس عاصمة إسرائيل، مع تعهد حزب العمل بإجراء استفتاء على إزالة الأحياء الفلسطينية، بما في ذلك العيسوية ومخيم شعفاط للاجئين، من البلدية. وتخدم هذه الخطوة غرضا مزدوجا: إزالة الفلسطينيين –الذين يشكلون حاليا نحو 40 في المائة من سكان القدس- من أرقام المدينة، وتقديم إيماءة قليلة التكلفة نحو الانفصال.
    كشفت قائمة حزب “أزرق أبيض” عن تفاصيل أقل، لكن الخطوط العريضة كانت مشابهة، حيث “تحتفظ إسرائيل بالسيطرة على وادي الأردن وكتل المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية”. وقال لابيد أمام جمهور من المستمعين أن فكرته الخاصة بالانفصال عن الفلسطينيين تتضمن حرية العمل للجيش الإسرائيلي في المناطق الفلسطينية وبقاء وادي الأردن “في الأيدي الإسرائيلية”. وقد رفض القائد السابق للجيش الإسرائيلي، موشيه يعالون، وهو عضو في حزب “أبيض أزرق”، صراحة إقامة الدولة الفلسطينية، وأيد الانفصال السياسي والمبادرات الاقتصادية بدلا منها.
    سوف يكون التمييز بين دعاة الانفصال في مقابل الدولة شأنا حاسما، لأن الانفصال بالنسبة للعديد من الإسرائيليين ليس هو السيادة الفلسطينية أو تقرير المصير الفلسطيني.
    بدلا من ذلك، سيكون الهدف هو تقليل المسؤولية الإسرائيلية عن حكم الفلسطينيين وإدارة ما يُدعى “الخطر الديمغرافي” الذي يشكلونه داخل إسرائيل، وكذلك الاحتفاظ بالسيطرة على كافة أراضي فلسطين ما قبل 1948 بينما يتم أيضا ضمان وجود أغلبية يهودية من المواطنين. وعلى سبيل المثال، كان برنامج حزب لابيد، “ييش عتيد” في العام 2015، والذي تم إدراجه في قائمة حزب “أزرق أبيض”، قد اقترح أن “حل المعضلة بين الاحتفاظ بأجزاء من أرض إسرائيل والاحتفاظ بأغلبية يهودية يتطلب منا التخلي عن أراض إسرائيلية”.
    هذا الحافز هو الذي يشكل تفاصيل ما تضعه إسرائيل على الطاولة –واحتمالية قبول الفلسطينيين به. والآن، لك أن تقارن نموذج الفصل على هذا النحو بما قد تبدو عليه دولة فلسطينية حقيقية: دولة مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، مع القدس الشرقية عاصمة لها، والتي تتمتع بكل عناصر السيادة، بما في ذلك السيطرة على الحدود، والمجال الجوي، وتواصل الأراضي.
    خلال محادثاته السرية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن في آب (أغسطس) 1978، قبيل محادثات كامب ديفيد، اقترح زعيم المعارضة في ذلك الحين، شمعون بيريز، أنه لن يكون هناك “أي خيار سوى تسوية عملية” في الضفة الغربية، “لأننا لن نعرف ما سنفعله بالعرب”. وواصل بيريز: “سوف نصل إلى 1.8 مليون عربي، وأرى أن وضعنا يصبح صعباً جداً… أراهم يأكلون الجليل، فينزف قلبي”.
    من غير المفاجئ أن لا يكون مثل هذا الحافز للانفصال قد أنتج المعايير المناسبة لخلق دولة فلسطينية. قال بيريز لبيغن: “إننا لا نوافق على العودة إلى حدود 1967، يجب أن تبقى القدس موحدة، ويجب أن يبدأ الدفاع عن إسرائيل من نهر الأردن مع وجود جيش الدفاع الإسرائيلي في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)”.
    قارن هذه الوصفة بما دعا إليه رئيس الوزراء إسحق رابين في العام 1995، قبل وقت قصير من اغتياله –بالتحديد “كيان فلسطيني… والذي يكون أقل من دولة”، حيث تحتفظ إسرائيل بالمستوطنات الرئيسية، و”قدس موحدة”، وحيث نهر الأردن يشكل الحدود “الأمنية” بـ”المعنى الواسع”.
    ربما كان من أفضل التعبيرات عن ذلك ما ذكره دان بيري من “الأسوشييتد برس” ببصيرة نافذة في تقرير له يوم 2017، بينما يقوم بتحليل التعهد الذي تقاسمته كل الأحزاب باحتفاظ إسرائيل بالأغلبية اليهودية: “القوميون الأكثر تطوراً يجاهرون بدعم نوع من التقسيم –ولو أنه على أساس شروط لا يُرجح أن يقبلها الفلسطينيون”. ومن المؤسف أن هذا النوع من الاستبصارات نادر في التغطية الإعلامية الغربية، التي تميل إلى اعتماد ثنائية تبسيطية “حمائم في مقابل صقور”.
    ثمة عنصر آخر في قضية الانفصال، والذي عادة ما يفلت من الرادار: التداعيات على مواطني إسرائيل الفلسطينيين من انتهاجات سياسات عرقية-قومية وإثارة الذعر الديمغرافي. وفي حين يصنع نتنياهو عناوين الأخبار بتحذيراته من الناخبين العرب الذين يهددون إسرائيل، وبإعلانه أن إسرائيل ليست دولة لكل مواطنيها، فإن أصواتاً يُفترض أنها معتدلة تنخرط في اعتناق نفس النوع من الخطاب.
    خذ مثلاً ما تصف نفسها بأنها المجموعة غير الحزبية المكونة من كبار ضباط الجيش والمخابرات المتقاعدين، المعروفة باسم “قادة أمن إسرائيل”. إنها تحذر من الضم على أسس لا يمكن تمييزها تقريباً عن خطاب الأحزاب اليمينية المتطرفة المعادية للهجرة في أوروبا، والتي تزعم بأن الفلسطينيين سوف يُثقِلون نظام الرعاية الصحية المتمدد، وسوف “يتنافسون” مع العمال الإسرائيليين، ويتمكنون من “العودة والعيش” في البلدات التي كانوا قد طُردوا منها.
    ما من سبب يدفع هذا النوع من الخطاب عن المعركة الديمغرافية إلى استثناء الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية. وربما يكون الخطاب المتطرف قد ركز بشكل أساسي على الفلسطينيين في الضفة الغربية، لكنه لا يختلف تقريباً عن –بل ويمكن أن يفاقم على الأغلب- التمييز القائم على الديمغرافيا الذي يعيشه المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل. وفي الحقيقة، كانت ليفني هي التي قالت لطلاب مدرسة ثانوية في تل أبيب في العام 2008 أنه “بمجرد أن تتم إقامة دولة فلسطينية”، فإنه يمكن أن يقال للمواطنين الفلسطينيين أن “الحل الوطني لكم يوجد في مكان آخر”.
    أخيرا، يرجح أن تكون هناك حاجة إضافية إلى التمييز بين الانفصال وبين حل قائم على فكرة الدولتين في سياق عمل الكنيست الإسرائيلي التالي. فمع استعداد نتنياهو للدفع بنوع من الضم الجزئي للمستوطنين، بل وحتى لمزيد من مناطق الضفة الغربية، يرجح أن يُنظر إلى نموذج الفصل على أنه بديل موثوق لهذا المسار الأكثر عدوانية للضم.
    مع ذلك، لا تشكل الاقتراحات التي يطرحها أشباه ليفني، ولابيد وحزب العمل معاييرا لدولة فلسطينية حقيقية وأصيلة، ولا هي مختلفة بقدر يعتد به عن الاقتراحات التي تدور في خلد نتنياهو نفسه.
    القواسم المشتركة كبيرة جداً: اعتقادٌ لدى اليمين الإسرائيلي بالحق في امتلاك كل الأرض بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط؛ ورفض للسيادة الفلسطينية؛ ورغبة في رؤية شكل من كيان حكم ذاتي يدير الحياة يوما بيوم في المراكز السكانية الفلسطينية الرئيسية في الضفة الغربية. وبالنظر إلى مثل هذه الأساسيات المشتركة، ليس من المفاجئ أن تكون التفاصيل المادية متشابهة للغاية.
    وإذن، في غياب أي فروقات جوهرية من الناحية العملية بين اقتراحات المعسكرات الإسرائيلية المختلفة، ما الذي يفسر الخلافات بين هذه القوى السياسية؟ في الجوهر، يكمن النزاع في طبيعة التقديرات والحسابات لمصالح إسرائيل الاستراتيجية، وكذلك في رؤى القواعد المختلفة من الناخبين.
    أولئك الذين يفضلون استمرار الوضع الراهن، أو الضم الرسمي للمنطقة “ج” (وهي منطقة تصل مساحتها إلى نحو ثلثي الضفة الغربية، والتي وُضعت تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة –ولو أنها يفترض أن تكون مؤقتة بموجب اتفاقيات أوسلو)، كلهم واثقون من قدرة إسرائيل على السير في هذا الطريق بينما تحتفظ بعلاقاتها الإقليمية والدولة، أو حتى تُحسِّنها –بما في ذلك مع شركاء متنوعين مثل زعماء أوروبا الشرقية، والحكومات الأفريقية، ودول الخليج العربية.
    وفي الأثناء، يعتقد أولئك الذين يدعون إلى الانفصال بأن مصالح إسرائيل –المحلية والخارجية- تُخدَم أفضل ما يكون بانفصال، يتم تحديد ماهيته من جانب واحد، عن المراكز السكانية الفلسطينية، و-تحت شروط صعبة التحقيق بشكل متعمد ولا يمكن إنكاره، إقامة ما تُسمى دولة فلسطينية.
    في مقالة حديثة لموقع “مجلة +792″، كتبت المحللة والمتخصصة في الاستطلاعات، داليا شيندلين: “لزمن طويل، قالت إسرائيل لنفسها أنها تدعم حلاً على أساس الدولتين، وأدام قادتها فكرة أن إسرائيل نفسها تسعى إلى السلام من خلال هذا الطريق –حتى بينما يتخذون خطوات مناقضة على الأرض”. وواصلت شندلين: “في هذه الدورة الانتخابية، واستناداً إلى برامج الأحزاب الرئيسية، يبدو أن التنافر بين هذه الصورة المتصوَّرة ذاتياً وبين الواقع آخذ في التضاؤل”.
    ما يزال الخلط بين الانفصال والدولة الفلسطينية الحقيقية –من جهة صناع السياسة الغربيين، والصحفيين، والمحليين- قائماً ومستمراً منذ بعض الوقت. ولا شك في أن التمييز بين الأمرين أساسي لفهم الواقع القاتم المتمثل في أن الأغلبية العظمى في الكنيست، والحكومة والمعارضة على حد سواء، تشكلها أحزاب تعارض الحقوق الفلسطينية الأساسية. وإذا ما أراد المجتمع الدولي أن يوقف ذهاب حكومة نتنياهو التالية إلى حل دولة واحدة بحكم الأمر الواقع، فإنه يجب أن ينظر إلى تركيبة المؤسسة السياسية الإسرائيلية، بما فيها ما المعارضة التقدمية المزعومة، بما هي عليه، وليس بما أملت في أن تكون عليه، أو الكيفية التي تقدم بها نفسها.
    *صحفي ومؤلف، آخر كتبه: “تصدعات في الجدار: ما وراء الأبارتايد في فلسطين/ إسرائيل”.
    *نشر هذا المقال تحت عنوان: Separation and a Two-State Solution Aren’t the Same

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock