أفكار ومواقف

الانقسام الفلسطيني خيانة عظمى أم جنون مطبق؟

لا يوجد شعب عربي ولا نظام حكم عربي أكثر انغماساً وانشغالاً ومصداقيةً في قضية فلسطين وتداعياتها من الشعب الأردني والنظام الأردني فيها، ليس بسبب الجوار لفلسطين فقط كما يدعي بعض الناس، وليس لأن الضفة الغربية كانت جزءاً من المملكة كما يدعي بعض آخر، وليس لكثرة اللاجئين الفلسطينيين فيها كما يدعي بعض ثالث، لأن كل هذه العوامل موجودة عند عرب جيران آخرين، وإنما لأن الشعب الأردني توأم الشعب الفلسطيني الملتصق به فلا ينفك منه أو يتخلى عنه: سياسياً وثقافياً ومصيرياً. فلو أن طفلة فلسطينية جرحها العدو في الجليل أو في الخليل، لتداعى لها كل الشعب الأردني بالمشاركة في الألم حتى تشفى. وبالنسبة للنظام الأردني فإن قضية فلسطين هي الجامع المشترك الأعظم لكل لقاء أو بيان أو خطاب ملكي، وحتى في عقر دور المحافل الصهيونية في أميركا وأوروبا.
إن الشعب الأردني يعاني فلسطينياً كما يعاني الشعب الفلسطيني نفسه سواء بسواء، ولا أدل على ذلك من آخر شاهدين: قيامه على التطبيع الفردي في الكرك، وجواب الأستاذ عبد الرؤوف الروابدة عن سؤال: لو لم تكن أردنياً ماذا كنت تفضل أن تكون، فقال على الفور: فلسطينياً.
وعلى منوالهما يتألم الأستاذ سعيد التل بحرقة من الانقسام الفلسطيني، ويقول: “لو كانت كلمة فلسطين واحدة موحدة لما جرأ حاكم عربي أو محكوم على الاقتراب سراً أو علناً من إسرائيل”.
حقاً، إن الانقسام الفلسطيني وبخاصة في هذه الظروف التي يسعى فيها ترامب وعصابته لتصفية القضية، يقع بين الخيانة العظمى إن كان المنقسمون يعلمون، أو الجنون المطبق إن كانوا لا يعلمون. وفي الحالتين يجب على الشعب الفلسطيني لفظ المنقسمين وسوقهم إلى المحكمة أو إلى مصحة، لأنهم بالانقسام يضحون بقضية الشعب الفلسطيني المقدسة التي بقي يعيش من أجلها ويموت في سبيلها لمائة عام أو أكثر وما يزال، من أجل الكرسي وحتى تحت الاغتصاب.
لقد صقلت المعاناة هذا الشعب وجعلته كالصوان أو الماس، فلم ينحنِ أو يستسلم، وهو صمود حيّر مفكري العدو وساسته وحلفائه، وكأن الشعب الفلسطيني برفضه لمخططاتهم وعروضهم الناقصة يقهرهم وينتصر عليهم به ساخراً من قوتهم المادية الهائلة التي يملكون. ولكن المنقسمين يشقون الصوان أو الماس من داخله، ويساعدونهم في سعيهم لشق وحدته على الأرض وتصفية قضيته.
إن المحنة التي يعيشها العدو الإسرائيلي وحلفاؤه في الغرب جراء الرفض الفلسطيني لمخططاتهم وعروضهم دليل على قوة الشعب الفلسطيني وحيويته في مقاومة الاغتصاب، وعلى الفزع الوجودي عند العدو فهو بعد أكثر من مائة عام من الدم والفوز تكنولوجياً عليه لم يستطع كسر شوكة هذا الشعب، أو يجعله يستسلم ويوقع كما حدث في ايرلندا الشمالية مثلاً، لأنه يملك أعدل قضية في العالم في هذا العصر، ويرفض أن يكرر مصير الهنود الحمر على يد الغزاة العنصريين القادمين من وراء البحار لاقتلاعه من وطنه.
ومثلما هو على الشعب الفلسطيني واجب تقديم رموز الانقسام إلى المحكمة أو سوقهم إلى مصح، فإن على الشعب الأردني التوأم الذي يتأثر مصيره أو مستقبله بهذا الانقسام، أن يتخذ الموقف نفسه من هذا الانقسام. وهو بذلك لا يتدخل في الشؤون الداخلية لفلسطين، بل يمارس حقه الفلسطيني والأردني في وأد الانقسام الذي يهدد مصير التوأمين.
إن الانقسام الفلسطيني بين فتح وحماس فضيحة مدوية لهما، ” وذخر إسرائيلي استراتيجي كما وصفه الكاتب الإسرائيلي تسفي بارئيل في هارتس في 12/11/2018 (الغد في 13/11/2018) وأنه يستحق الثمن “. والانقسام إن دل على شيء فإنما يدل على أن السلطة وإن كانت تحت الاغتصاب أو حصاره تتقدم على التحرير والاستقلال، وأن ما يدعيه كل من الطرفين من مبررات للانقسام ليست سوى أكاذيب تفضحها الحقائق. إن الانقسام يشجع الآخرين على تجاوزهم والقفز عنهم إلى أحضان العدو. وإذا لم ينزل كل منهما عن شجرته اليابسة فإنه يجب أن يترك معلقاً عليها لتنقره الطيور الفلسطينية الجارحة في رأسه.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock