أفكار ومواقفرأي اقتصادي

الانكماش الاقتصادي وتحدي البطالة

فاقمت أزمة فيروس “كورونا المستجد” مشكلة البطالة في مختلف أنحاء العالم ومن بينها الأردن، ويتوقع أن يقارب معدل البطالة في الأردن 30 % فيما تبقى من العام الجاري 2020.
فشلت مختلف السياسات الحكومية على مدار السنوات الماضية في إيجاد حلول ملموسة لمشكلة البطالة، وبقيت هذه السياسات تدور في حلقة مفرغة بعيدة عن معالجة الأسباب الحقيقية التي دفعت البطالة الى التحليق في مستويات غير مسبوقة، واكتفت الحكومات المتعاقبة – بما فيها الحكومة الحالية بإعادة تنفيذ مشاريع تشغيل ثبت فشلها المرة تلو الأخرى، واستمرت في نشر أعداد وهمية لمن قامت بتشغيلهم.
والغريب في الأمر، أن معدلات البطالة المتنامية خلال السنوات الماضية والتي وصلت خلال الربع الأول من العام الجاري الى 19.3 % ، موزعة بين الذكور والاناث بنسب
18.1 % و24.4 % على التوالي، لم تدفع صانعي سياسات العمل غير الفعالة الى مراجعة هذه السياسات، واستمرت الحكومات في تطبيق ذات السياسات مع تغيرات بسيطة في إخراجها وترويجها.
نحن في وقت حساس للغاية، ولا يحتمل التلكؤ في استهداف الأسباب الحقيقية التي أدت وما تزال تفاقم مشكلة البطالة، فقد دخلنا في بالأردن مرحلة انكماش اقتصادي عميقة أسوة بباقي دول العالم، حيث لن يكون بإمكان الاقتصاد الوطني الحفاظ على الوظائف الموجودة، ولا توليد فرص عمل جديدة لاستيعاب الأعداد الكبيرة جدا من الداخلين الجدد من خريجي النظام التعليمي والتي لا تقل عن مائة ألف سنويا، وهي في تنامي متصاعد عاما بعد آخر.
صحيح أن ارتفاع معدلات البطالة ستعاني منه مختلف دول العالم، ولكن ذلك لا يجب أن يدفعنا الى التسليم بالواقع، لأن حالنا يختلف عن غالبية هذه الدول من حيث توفير الحمايات الاجتماعية للمتعطلين عن العمل، حيث لا يوجد في الأردن تأمين ضد البطالة، الأمر الذي سيفاقم مشكلاتنا الاجتماعية ويحرم قطاعات واسعة من الأردنيين من حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، وسيهدد الأمن والاستقرار الاجتماعيين، ونحن في الأردن نعاني ما نعانيه جراء تراجع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
وهنالك فارق آخر يتمثل في أن قدرات الاقتصاد الأردني على الخروج من حالة الانكماش التي دخلها ستطول أكثر من غيرنا من الدول، ولدينا تجربة في ذلك تمثلت في أن النمو الاقتصادي خلال السنوات العشر الماضية بقي يراوح عند معدل 2 بالمائة، والتفكير العقلاني يدفعنا لأخذ هذا الأمر على محمل الجد وعدم الاكتفاء بالخطاب الحكومي الذي يشير الى قدرتنا على تجاوز هذه المحنة.
الخروج من هذا المأزق وتفادي تداعيات الارتفاعات الكبيرة في معدلات البطالة وتداعياتها من توسع قاعدة الفقر وتعميق التفاوت الاجتماعي، يدفعنا للتأكيد المرة تلو الأخرى على ضرورة اصلاح السياسات التي تستهدف الأسباب الحقيقية التي فاقمتها قبل وبعد أزمة “كورونا المستجد”.
وبدون تعزيز الطلب المحلي الكلي من خلال تخفيض معدلات الضرائب غير المباشرة (الضريبة العامة على المبيعات والضرائب الخاصة والرسوم الجمركية)، والاستثمار في الحمايات الاجتماعية، لن نخرج من هذا الانكماش في وقت قريب.
هذا الى جانب اجراء تغييرات ملموسة في سياسات التعليم باتجاه التوسع في التعليم المتوسط والتقني والمهني، على حساب التعليم الجامعي غير المجدي، وتحسين جودته معرفيا ومهاراتيا، بالإضافة الى تحسين شروط العمل وفق معايير العمل اللائق المتعارف عليها في العديد من القطاعات الاقتصادية غير الجاذبة للأردنيين.
مخاطر تفاقم البطالة والفقر والتفاوت الاجتماعي أكبر من المعالجات التقليدية والخجولة، ولا يحلها اهتمام مبالغ فيه في الحفاظ على استقرار المالية العامة على حساب اهمال الاقتصاد ومحركاته الحقيقية. كذلك لا يمكن معالجة تداعيات هذه المخاطر بإجراءات دعائية –لا تنطلي على أحد- ولا بمعالجات أمنية، وتجارب التاريخ ودروسه واضحة في هذا المجال.

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
47 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock