أفكار ومواقف

البابا بين الدين والسياسة

مع وفاة البابا جون بول الثاني، وعشية اختيار خليفة له في نيسان من العام الماضي، كانت هناك جملة من التحديات الرئيسة التي يتوجب على البابا الجديد مواجهتها، من بينها العلاقة مع الإسلام في زمن يتزايد فيه نشاط “الجماعات الإسلامية المسلحة” على مستوى العالم، ناهيك عن وجود أعداد كبيرة من المسيحيين الكاثوليك الذين يعيشون بين مسلمين، لا سيما في إفريقيا وآسيا.


ومع اختياره لمنصب الحبر الأعظم، كان على بنديكت السادس عشر تبني رؤى أحد فريقين متباينين أو متناقضين داخل الفاتيكان فيما يتعلق بأسلوب التعاطي مع المسلمين، كما المسلمين الذين يتوجب التعاطي معهم. ففيما كان فريق يطالب بالاعتراف بأن هناك كثيرا من الأضرار التي لحقت بالعلاقة بين المسلمين والمسيحيين يتحمل مسؤوليتها أطراف ينتمون للجانبين، ارتكبوا أفعالهم باسم الدين، سواء المسيحي أو الإسلامي؛ كان الفريق الآخر يدعو إلى التركيز فقط على الأفعال التي يرتكبها الإسلاميون المتشددون في الوقت الحالي.


وبسبب الحملة الممتدة نسبيا التي تعرض لها البابا بنديكت السادس عشر، بالبحث عن انتماءات نازية له في شبابه، بدا منطقيا الاعتقاد بميل البابا أو تعاطفه على الأقل مع الفريق الأول، انطلاقا من افتراض أن الحملة “المغرضة” التي تستهدفه إنما هدفها قطع الطريق عليه في أي محاولة للانفتاح على الإسلامي. غير أن هذا الاعتقاد تبدل مباشرة مع إطلاق البابا التصريحات الأخيرة المسيئة إلى الإسلام وإلى الرسول عليه الصلاة والسلام، باستعارة حوار ميت منذ قرون لربطه بعنف جماعات إسلامية في الوقت الحالي!


لكن سواء بدل بنديكت السادس عشر قناعاته وتحالفاته فعلا، فبات ينتمي إلى معكسر ما سمي “صقور الفاتيكان”، أو كانت إساءاته مجرد إجلاء لموقفه الأصلي من الإسلام والتعاطي مع أتباعه، يظل السؤال: لماذا اختار البابا هذا الأسلوب المسيء في الواقع للفاتيكان قبل غيره، باعتباره حامل رسالة المسيحية الداعية إلى السلام والتعايش، تماما كما هو الإسلام الذي يعرفه البابا، ومقدما هدية مجانية أو تبرعا ولا أثمن لكل المتطرفين الذين لا يؤمنون إلا بنظرية الاستئصال وحدود الدماء؟!


هناك حتما الحديث عن دور اللوبي الصهيوني، الوليد في أوروبا والراسخ في الولايات المتحدة، وبأن البابا بتصريحاته تلك إنما أراد عقد صفقة مع هذا اللوبي الذي يسعى وراء ماضي البابا النازي! مع ذلك، يبدو أنسب وأكثر منطقية الانطلاق في الإجابة عن السؤال الأخير من زاوية الصراع الديني المسيحي-المسيحي داخل أوروبا، والغرب عموما، والذي تشكل العلاقة مع الإسلام إحدى أدواته (الصراع المسيحي-المسيحي).


فبالعودة إلى التحديات التي يواجهها بنديكت السادس عشر منذ اختياره بابا الفاتيكان، يتجسد التحدي الأهم في تراجع وزن الكنيسة الكاثوليكية ودورها في معقلها ووطنها الأم أوروبا بسبب النزعة المادية المتفشية في المجتمعات الأوروبية. ويزيد هذا التراجع عمقا وخطورة تراجع مماثل في بلدان الجنوب، لا سيما أميركا اللاتينية التي تشكل موطن أربعة من بين كل عشرة مسيحيين كاثوليك في العالم، وذلك بسبب عدم قدرة الكنيسة الكاثوليكية على منافسة الكنيسة الانجليكانية خصوصا (كما الكنيسة الخماسينية “Pentecostal”) الآخذة بالانتشار بشكل سريع. ومن حقيقة الدور البارز، والحاسم أحيانا، للدين في السياسة الأميركية الداخلية والخارجية، الأمر الذي عزز حجم الإنجليكانية ونفوذها عالميا، يكون منطقيا استنتاج أن الفاتيكان، ممثلا بالبابا، قد قرر الدخول في المعترك السياسي عموما باعتباره ساحة صراع مع منافسيه الغربيين المسيحيين قبل غيرهم، في سبيل استعادة الوزن والدور والهيبة المفقودة!


أما لماذا كانت الإساءة للإسلام تحديدا كمدخل لهذا المعترك؟ فالإجابة أنه بكل الصور المشوهة التي تبث بشأن الإسلام، منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، وصولا إلى الحرب الأميركية على “الإرهاب” المختزل في الجماعات الإسلامية فقط، وليس انتهاء بتأكيد بوش الدائم على “الفاشية الإسلامية”، بهذا الاختيار يكون الفاتيكان قادرا على المزايدة على خصومه جميعا، علمانيين ودينيين ثيوقراطيين.


هي إذن، وفي أحسن تفسير، المكاسب الطائفية الآنية، بغض النظر عن التبعات الأخلاقية والإنسانية وغيرها، التي تدفع إلى هذا الاستغلال الأسوأ لتصرفات بعض من المسلمين، وفي انقطاع عن أي سياق يفسر موضوعيا انتشار ما يسمى “العنف الإسلامي”.


[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock