أفكار ومواقف

الباقي لم يعد تفاصيل!

نعم لم يعد الباقي تفاصيل؛ هكذا يمكن أن نفهم بكل بساطة خروج وزير المالية الدكتور محمد العسعس علينا مساء الأحد ليشرح لنا رقم الدفاع رقم 10 كما قدم لذلك وزير الدولة للأعلام والاتصال السيد أمجد العضايلة؛ وكان جوهره موضوع الاقرارات الضريبية وتأجيل موعد تقديمها لنهاية شهر حزيران لكن الوزير قدم ايجازاً مقلقاً ومخيفاً حول مستقبل الاقتصاد الأردني وأحسب لو أن الكلام الذي سمعناه صدر من كاتب مقال أو من تسريبة صحفية لخرجت الحكومة لتنفي وبشدة وتطمئننا، ولكن ما حصل بكل صراحة خلاف ذلك؛ الناس في حالة من القلق وتبحث عن التفسيرات وتفرأ في الطالع لتوقع الاجراءات الحكومية المستقبلية التي لن تبتعد عن القوالب التقليدية في تقليل الخسائر.
حديث وزير المالية كان مختلفا هذه المرة وانتهت كل جرعات التفاؤل والأطمئنان التي ظل يبثها خلال الفترة الماضية ليخبرنا بأننا اليوم امام مفترق طرق اقتصاديا وأمام أزمة عالمية هي الأكثر كارثية بعد أزمة الكساد الكبير سنة 1929، وأن الاقتصاد الأردني حتى يتعافى أو يخرج بأقل الخسائر يحتاج لقرارات قاسية وصعبة؛ فمعدل النمو سيتراجع بنسبة 3.5 % بالاضافة لخسارة النمو المتوقع في الاصل وهو 2 %، وغياب المنح الدولية وانعدام فرصة الحصول على من اسواق التمويل الدولية التي جفت لتغطية العجز القائم أصلاً قبل كورونا فكيف بعد تراجع الايرادات العامة نتيجة توقف العمل لشهرين وقيام الحكومة بإنفاق أكثر من نصف مليار دينارخلال الشهر ونصف الماضيين.
نفهم ونقدر أننا نمر بأزمة اقتصادية صعبة قبل جائحة كورونا ونفهم أنها تعمقت أكثر ولكننا نفهم أن الحكومة اتخذت اجراءات مالية وفرت لها مبالغ مالية سواء تأجيل زيادة الموظفين ووقف الحوافز والمكافآت ووقف التعيين وإيقاف بعض المشاريع أو تأجيلها بالاضافة للمبالغ التي وفرتها الصناديق التي صدرت بأمر الدفاع وهناك من يتحدث عن أن هذه الاجراءات قد توفر ما يقارب سبعمائة مليون دينار وأن عودة النشاط الاقتصادي بشكل شبه طبيعي خلال الأيام القادمة سيضمن عودة تدريجية لتدفق الايرادات الضريبية والجمركية فأمامنا حتى نهاية العام ايرادات ثمانية أشهر قادمة كفيلة بتقليل حجم الخسارة .
هناك من يبرر خروج رئيس الفريق الاقتصادي في الحكومة بهذه السرعة وبهذه الحدة وبرسائل تدعو للقلق وتهيئ الناس الواقعين بين مطرقة الكورونا وسندان الظروف الاقتصادية الصعبه لقرارات قاسية؛ بأنها جاءت في سياق الرد على تحرك شخصيات سياسية وحكومية سابقة تداعت خلال الأيام الماضية لمناقشة تداعيات كورونا سياسيا واقتصاديا ووجهت نقداً لاذعاً لحكومة الدكتور عمر الرزاز خاصة في التعاطي مع التداعيات الاقتصادية واختيارها اسهل الحلول عليها والأكثر كلفة على الاقتصاد والذهاب لأموال الضمان الاجتماعي لإنقاذ القطاع الخاص، خاصة وأننا مقبلون على استحقاق دستوري ربما يقضي بحل مجلس النواب ورحيل الحكومة يرى البعض بأن الحكومة الحالية تسعى لتأجيله مما يعني إطالة عمر مجلس النواب ودائما تحت عنوان التعامل مع الجائحة الخطيرة وحتى يخرج الدخان الأبيض في موضوع الكورونا وهو ما لا يروق لمعظم النخب السياسية التي تناكف الحكومة.
مصارحة الناس بحقيقة الأوضاع الاقتصادية وبمنتهى الشفافية أمر مهم وضروري ولكن بعيداً عن التوظيف السياسي الذي يبدو أنه بدأ يطفو على السطح من كل الأطراف كلما اقتربنا من المواعيد الدستورية فالكل يريد أن يقذف بالكرة في حضن الطرف الآخر، ولكن الأهم من كل ذلك أن تبحث الحكومة عن خيارات تبعدها عن جيوب المواطنين والموظفين المنهكة في الأصل وأن يكون الباقي تفاصيل كما بشرنا وزير المالية في بداية الأزمة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock