منوعات

البالة .. ملاذ الفقراء ووسيلة تأنق للأغنياء

          محمد جميل خضر


      لم يكن مظهر عبد الغني حسام يدل على انه يرتدي ملابس مستعملة, وابدى فيما تعكس ملابسه اناقة وتناسقا لونيا مدروسا ثقة عالية بالنفس في اجابته عن سبب تفضيله الملابس الاوروبية المستخدمة عن الملابس الجديدة سواء كانت محلية او سورية او صينية او حتى تركية, يقول حسام (43 عاما) حول تفاصيل طريقة انتقائه لملابسه:”اتعامل مع محل او محلين, وهما مشهوران بتأمينهما بالة نخب اول لزبائنهما وان بسعر اكثر نسبيا من سعر محلات البالة المنتشرة في اماكن واسواق عدة في عمان”. وعن الفارق السعري بين البالة المختارة من اكوام كثيرة وبين البالة الاخرى يوضح حسان بانه يصل الى 20 دينارا في بعض الاحيان بمعنى ان الجاكيت نخب اول الذي يمكن ان يصل ثمنه الى 25 دينارا قد لا يتعدى ثمنه في حالة وجود عيوب فيه او ظهور بعض ملامح القدم عليه،الخمسة دنانير, ويؤكد حسام الذي يعمل محاضرا غير متفرغ في احدى الجامعات انك عندما تشتري ملابس مستعملة بحالة جيدة ولم يستخدمها صاحبها الاول لفترة طويلة فانك تكون قد اشتريت ماركة عالمية تثق بجودتها واتقان حياكتها, وتكون متأكدا كذلك من طول مدة خدمتها لديك. واشار حسام وقد بدا مظهره اقرب الى شخص كلاسيكي، قميصه (المشمشي) من الحرير الخالص وبنطاله الرمادي الغامق (فئراني) وجاكيته القرميدي المعرق من الصوف الخالص وحذاؤه البني من الجلد الطبيعي وربطة عنقه الملونة بالورد والتفاصيل الجميلة قائلا: “هل تبدو لك تلك الملابس مستخدمة او من محل بالة ?” كانت تلمع وتشي باستواء اكيد ما جعله يمضي مودعا بذات الثقة التي تلقى فيها الاسئلة قبل ان يستدير مستدركا: لم تكلفني هذه (اللبسة) كاملة اكثر من 50 دينارا مع ان الجاكيت وحده كان يكلفني اكثر من 100 دينار من نفس تلك الماركة لو كان جديدا. ويفضل اجمالا كثير من الناس غير الفقراء الملابس المستعملة التي يعرفون من اين يحصلون عليها, لما تحققه لهم من ارتداء ماركات عالمية معروفة دون الاضطرار لدفع ثمنها في حالتها الاولى, وهو ما يفعله تماما مغن يقدم وصلات غنائية في مطاعم وفنادق خمس نجوم ونواد ليلية راقية ويختار المغني الذي رفض ذكر اسمه ملابسه بعناية فائقة ما يجعله متميزا فيها سواء بغرابة الوانها او ندرة اقمشتها او اختلاف موديلاتها “تفرض علي طبيعة عملي ان ابدو دائما بمظهر لائق وملابس جديدة ما يتعذر معه تحقيق ذلك بملابس المانية او ايطالية او هولندية جديدة او هو ما افعله بشراء ملابس من تلك الدول ودول اوروبية اخرى ولكنها ليست جديدة بل اقرب ما تكون اليه, المهم ان تعرف من اين تحصل عليها وان تتعرف الى بائع يشاطرك نفس العشق لجمال الازياء وبهاء الوانها”.   ويشير صاحب الصوت الجهوري العميق الى مشكلة بدأت تواجهه منذ عدة اعوام كزبون (بالة) نخب اول قديم وهي مشكلة متعلقة بتراجع الكميات المستوردة منه وتراجع اعداد الجيد في تلك البالات التي وصلت عصرها الذهبي اواخر سبعينيات القرن الماضي واوائل ثمانينياته قبل ان تصاب بضربة قاسمة نتيجة ظهور موضة الجاكيتات ذات الثلاثة ازرار كما يوضح ابن صاحب محل معروف بحسن اختياره لبضاعته ورث المهنة عن ابيه وبدأ بالتخلي التدريجي عنها منتقلا الى قطاع التعليم العام بعد تعرض تلك التجارة الى هزة قوية حوالي العام 1995 لعدم توفر جاكيتات الثلاثة ازرار في البالات القادمة من هولندا حيث اهم مركز تجميع ملابس مستخدمة في اوروبا, وقدم ابن الرجل المعروف باوساط تجار البالة بلقب معين معلومة طريفة باخباره لنا ان معظم مصنفي البالات التي تتجمع في هولندا هم من الاردنيين الذين برز منهم تجار كبار في فترة ازدهار هذه التجارة ما بين 1970 الى 1995 واوضح معلم الرياضيات ان موديلات البالة تكون عادة اقدم من الموديلات المطروحة في السوق بمعدل 10 اعوام, وعندما ازداد الطلب على الجاكيتات ذات الثلاثة ازرار وعجزوا عن تأمينها بسرعة لزبائنهم تكبدوا خسارة كبيرة وصلت الاف الدنانير, ذكر ذلك وهو يلقي اللوم اساسا على ابناء الزبائن الذين يرافقون اباءهم احيانا لمحل والده المتواري بعيدا عن الاسواق, حيث يعلنون رغبتهم تمثل الموضة وينصحون اباءهم بفعل ذلك مؤكدين ان احدا لم يعد يرتدي الجاكيتات ذات الصفين من الازار او الاقدم منها ذات الزرين المفردين: “زبائننا القدماء كانوا يركزون على الجودة فقط, اما زبائن هذه الايام فانهم يركزون على الجودة والموديل في نفس الوقت”. وزاد ان الامر تعدى ذلك الى التركيز على اللون وحتى نوعية القماش ونعومته. وعن معدل اسعار ملابسهم من الجاكيتات والقمصان وغيرها اوضح ابن صاحب المحل الذي برر عدم وجود والده بانشغاله بامور شخصية وتراجع فترات جلوسه داخل المحل مع تناقص اعداد الزبائن الى درجة كبيرة انهم بالنسبة للجاكيتات بدأوا بستة دنانير الى ان وصلوا في اواخر تعاملهم مع البالة العام 1995 الى 50 دينارا للجاكيت الممتاز الحامل اسم ماركة عالمية, وبسؤاله ان كان يعتبر الرقم كبيرا خصوصا ان البضاعة يبقى اسمها اولا واخيرا (بالة) قال ليس هذا رأي زبائننا الذين صار بعضهم وزراء ونواب, فمعطف الكشمير الالماني نوع (بوس) يصل ثمن الجديد منه في بلاده الى حوالي 900 دينار اردني ولكن في حالة وقوعه بين ايدينا من احد البالات وبعد كيه وتجهيزه وفي حالة خلوه من اي عيب فان سعره لا يتعدى 70 دينارا وعن دول المنشأ التي تأتي منها ملابس البالة بين المعلم الذي كان مشغولا بحياكة بنطال بعد اضطرارهم لتنويع خيارات المحل وخدماته بسبب تراجع تجارة البالة نخب اول بان المانيا من اهم مصادر هذا النوع من الملابس وتأتي بعدها سويسرا, هولندا والسويد ودول اوروبية اخرى. وبسؤاله ان كنتم توقفتم عن التعامل مع بالات النخب الاول فما هذه الملابس المعلقة في كل مكان حولك? اجاب بعضها من بقايا بضاعة لنا اشتريناها ولم تبع حتى الان هناك ايضا بعض البدلات الصينية الاقل جودة من الالمانية والاوروبية بشكل عام اضافة لان القياسات النادرة او المضروبة من بعض البدلات الايطالية وغيرها تباع احيانا على شكل بالة ونحن اجمالا لم نقطع علاقتنا نهائيا بتجارة البالة لكن ألسن الناس وعيونهم لا تهدأ ولا تنام”. ويفرق نقيب تجار الالبسة والاقمشة صلاح حميدان بين ملابس البالة والاخرى التي تسمى “ستوك” فالاخيرة كما يوضح تتجمع عادة من بقايا المصانع او بقايا المحلات وتخلط مع بعضها بعض ويندر وجود قطع ذات ماركات شهيرة في حالة بضائع “الـ “ستوك” وعن البالة ذات النخب اول اوضح حميدان انها تباع في اوروبا لان لها زبائنها هناك, وما يتبقى من قطع قليلة من بين بالات كثيرة يصل الينا حيث له له زبائن عندنا ايضا. وحسب حميدان فان من بين كل 20 طنا من الملابس تظهر من 4-5 قطع جيدة وذات سوية عالية.


وحسب دائرة الاحصاءات العامة فان حجم واردات الاردن من الملابس المستعملة بلغ العام 2004 “6149” طنا بقيمة اجمالية قدرها ثلاثة ملايين دينار واكثر من 334 الفا فيما بلغ حجم وارداتنا من الاحذية المستخدمة حوالي “2540” طنا بقيمة مليون و714 دينارا. كانوا قديما ينادون “اللي مالو باله مالو عيد” وفي هذه الايام صارت البالة الخاصة بالملابس الاميركية من جينزات وسترات و”تي شيرتات” ملاذا للراغبين بتمثل النمط الاميركي من جيل الشباب المستلب تماما امام الثقافة المستوردة في علب ووصفات جاهزة, الجيل الذي لا تملك عائلات معظمهم امكانية شراء الجديد من هذه الموديلات المتقلبة مثل بورصة وول ستريت.


انتخابات 2020
25 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock