أفكار ومواقف

البحث عن أفكار جديدة

يزدحم صيف الأردن في كل عام بمواكب الخريجين من الجامعات، حيث تكونت لدينا ثقافة للتخرج مملوءة بالفرجة والاستعراض والاحتفالية والضوضاء، من دون أي معنى أو احتفاء حقيقي بالقيمة أو المضمون، هذا إذا ما أضيفت هذه الفرجة المملوءة بإحباط منتظر الى غياب المضامين الحقيقية لثقافة النجاح على مستوى المؤسسات الأكاديمية وفي الإدارة العامة وفي المجتمع أيضاً، أي الثقافة التي تحتفي بالإنجاز والمبادرة، وبالتالي تكون ذراعاً للتنمية وتحسين أحوال الناس.
يوجد في الجامعات الأردنية حوالي (180) ألف طالب، ويتخرج كل عام بمعدل (15) ألف طالب في مختلف التخصصات، السؤال البسيط ما حجم استفادة التنمية الوطنية من مشاريع التخرج التي يعدها الطلبة الخريجون في مختلف التخصصات، وقبل ذلك ما هو مستوى اهتمام الجامعات بهذه المشاريع وهل تضمنت خططها الدراسية تعميم هذا النمط من التعليم على كافة التخصصات ذات السمة التطبيقية في مجالات الهندسة والعلوم والاقتصاد والإدارة والاتصال وفي عشرات التخصصات الأخرى، الإجابة من الميدان تقول إن مشاريع التخرج إن وجدت في بعض التخصصات في الجامعات الأردنية ما تزال متواضعة، ولا تمنح الحد الأدنى المطلوب من الإهتمام الأكاديمي والتطبيقي، وما تزال مجرد فضلة وشكل إجرائي يتعامل معها الكثير من الطلبة والعديد من الأساتذة في خانة لزوم ما لا يلزم.
لم تطور جامعاتنا حاضنات للأفكار المبدعة، ولم تلتفت أن تجعل التقنية الإبداعية جزءا من منهجية التعليم، ولم تبنِ صلات حقيقية مع الصناعة ومجتمع الأعمال أو حتى مع الإدارة العامة لمساعدتها في تنمية الأفكار التطبيقية القابلة للمساهمة في تغيير الحياة، ولعل أحد مجالات اكتشاف هذه الأفكار تكمن في مشاريع التخرج الجامعي، فلم نسمع عن مشروع تخرج فردي أو جماعي رأى النور، ولا وجد طريقه إلى شركة أو مجمع صناعي.
لقد ازدهرت مشاريع عملاقة في نواح عديدة من العالم على أفكار الطلبة وهم على مقاعد الدراسة، وعلى مشاريعهم للتخرج، فلقد التفتت كبريات شركات التكنولوجيا وتوليد الأفكار المبدعة الى المنجم الذي لا ينضب من الجديد والمختلف الذي تقدر عليه عقول يانعة قادرة على المغامرة الفكرية والعلمية أكثر من غيرها، وهناك قصص عديدة من الولايات المتحدة وأوروبا وكوريا الجنوبية وماليزيا والهند والصين.
حسب وصف توماس فريدمان فإن (بوسي فارادي) مهندس الرأسمالية الإسرائيلية الذي وقف الى جانب الإسرائيليين الذين اخترعوا نظام التواصل العالمي عبر الإنترنت وبيع لشركة أميركية بمبلغ (400) مليون دولار، يأتي كل عام الى جامعة (بن جوريون) يبحث عن أفكار جديدة ينفذها طلبة الجامعة، ويحضر معارض مشاريع التخرج لطلبة الكليات العلمية والتطبيقية، وهذا ليس أمراً مستغرباً، فالشركات الإسرائيلية العاملة في مجالات التكنولوجيا المتطورة تحتل المرتبة الثانية بعد الشركات الأميركية حسب مؤشر (ناسداك)، وتوظف الطاقات الشابة وتستثمرها بشكل كامل.
إن بناء ثقافة تحتفي بالنجاح تستدعي تطوير أدوات إطلاق عنان الخيال الفردي لدى طلبتنا في المدارس والجامعات، فالخيال الفردي هو رأس مال وطني ومنجم لا ينضب، والنظام التعليمي الذي يخلو من تنمية الخيال الفردي والقدرة على المغامرة العلمية يخضع في الحقيقة لبرمجة قاسية من القيود والتعليمات المبهمة، وهو مصدر الإرباك والحلقة المفرغة التي ندور فيها. لا بد أن نتذكر؛ حينما يغيب الخيال الفردي المبدع يتم ملء الفراغ بالخيال الجماعي الذي يرفض النقد والأسئلة حيث من السهل حشو عقل الجماعة عنوة بالخرافات وأنصاف الحقائق والتطرف الجماعي، وهنا دشن بيت الأسرار الذي تغيب فيه التنمية ولا تلمس آثارها مهما بذلت من جهود.      

[email protected]

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock