أفكار ومواقف

البحث عن عدو من لحم ودم

هل يلجأ الناس إلى عملية “إحلال” واستعاضة عندما ينقضّون على شخص مصاب بالكورونا أو نقَل العدوى لبعض مخالطيه خطأ أو استهتارا وعدم تقيد بالتعليمات التوعوية؟! و”الإحلال” المقصود هنا كآلية نفسية غير واعية هو استبدال العدو غير المرئي والشرس وهو هنا الفيروس المستجد بـ”عدو” من لحم ودم وملموس هو المريض المهمل، لتنصب عليه كل لعنات الأرض وانتقاداتها حتى لتخال أن الانتصار على هذا المريض وتهشيم صورته تمنح البعض شعورا بالانتصار الزائف على هذا الفيروس المجهول الذي يقف البشر أمامه اليوم مذعورين مكبّلي الأيدي!
تبدو المحاكمة هنا صعبة للجهتين؛ المريض المستهتر وغير الواعي بخطورة ما يسببه عدم وعيه، وأيضا لمنتقديه ممن هم معرضون للضرر من استهتار وعدم وعي مثل تلك الحالات، إلا أن اللافت هنا أن حملات الانتقاد والتشريح لفعل المريض المستهتر سرعان ما تتضخم لدى الرأي العام وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأحيانا قبل أن يثبت الاستهتار أو الخطأ، حتى لتبدو القضية وكأنها لجوء مخاتل لحيلة “الإحلال” واستبدال غير واع للمريض المحسوس محل الفيروس المجهول الذي لا تتوقع من أين يمكن أن يضرب ضربته اللئيمة.
هذه الظاهرة أو سمّها الملاحظة بدت واضحة في تناول الرأي العام الأردني لقصص بعض المصابين بالكورونا؛ من الإصابة الأولى التي سجلت محليا لموظف “المول” وصولا إلى إصابة ضاحية الرشيد الأخيرة، وربما ستستمر إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا!
المشكلة هنا أن التعامل الشرس للرأي العام مع هذه الحالات حتى مع التقصير والاستهتار المدانين من قبل بعضها بات يخلق نوعا من الوصمة الاجتماعية القاسية التي يمكن لها أن تدفع العديدين إلى التهرب من المكاشفة والمصارحة في حالة إصابتهم لاحقا بالفيروس تجنبا للهجوم والسخرية وربما الشماتة منهم ومن عائلاتهم.
قد يكون الحل الأولي لهذه المشكلة القابلة للتضخم هو بتفعيل الأدوات القانونية في التعامل مع حالات الاستهتار وعدم التقيد بالاشتراطات الصحية التي تسبب الإضرار بالآخرين لكن بعيدا عن التعرض للخصوصيات وللأسر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وبعيدا عن نصب المحاكم والمشانق من قبل الرأي العام للمصابين وعائلاتهم، وأن ينطلق الجميع من حقيقة أن البشرية أخذت على حين غرة في هذا الوباء وأن هناك الملايين وعشرات الملايين لا زالوا غير مصدقين ولا مستوعبين لوجود مثل هذا الخطر غير المرئي على المستوى الشخصي لهم وأن القضاء على الفيروس واجتثاثه قد يكون أسهل بكثير من تغيير عقولهم ووعيهم.
الناس تحتاج اليوم لمزيد من التعاطف والتضامن في ظل الشعور العام بخطر هذا المجهول القاتل الذي يعيث فسادا وقتلا في شوارع عواصم ومدن العالم المتقدم وغير المتقدم ولا يفرق بين فقير وغني ولا حاكم أو محكوم. وهم يحتاجون أيضا لمزيد من التوعية والتثقيف لا التقريع وفضح الخصوصيات وملاحقتهم بالوصمة الاجتماعية وليكن القانون هو الحكم مع كل من يستهتر ويخل بواجباته تجاه صحة وسلامة المجتمع والآخرين.
حجم التنمر المجتمعي والسخرية واستباحة الخصوصيات والمس بالعائلات كبير عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وخطره وضرره لا يقف عند شخص المصاب وعائلته بل يتعداه إلى تخويف آخرين ومنعهم من المصارحة والمكاشفة في حالة الإصابة ودخول دائرة قابلية العدوى، وهو أمر كفيل لوحده بنسف كل الجهود الوطنية لمكافحة الوباء ووقف انتشاره.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock