أفكار ومواقف

البحث عن عمل في كيلومتر مربع..!

بهت الانتباه إلى معاناة الفلسطينيين وانزوى في ظل المصائب التي تلم بأشقائهم العرب الآخرين. وبدلاً من وجود لاجئين فلسطينيين شردهم عدو غريب لا يرحم، هناك الآن لاجئون عراقيون وسوريون، ويمنيون وليبيون وآخرون، يطاردهم على الأعقاب خوف من عدو مختلط مربك شيطاني. ولم يعد مخيم اللاجئين سمة فلسطينية خالصة. لكن الفلسطينيين يظلون مع ذلك مخصوصين بقدر مضاعف وحشي من المعاناة، فيصبحون “لاجئين لاجئين” مرة وأخرى، لا يكادون يستجمعون بعض استقرار حتى تدفعهم أزمة جديدة إلى هجرة أخرى: من فلسطين 48 إلى المخيمات في فلسطين 67، ثم منها إلى مخيمات الشتات، ومنها إلى مخيمات جديدة في المنافي تحت سياط الرعب ، وآخر الهجرات فرارهم من مخيمات سورية إلى مخيمات لبنان.
اللجوء المستمر يصيب الفلسطينيين بحنين موجع مركب. إنك تسمع فلسطينياً من 48 وهو يتحدث بحرقة الغريب عن المخيم الذي ولد أو نشأ فيه في أريحا أو رام الله؛ ويتحدث آخر عن حنينه إلى المكان الذي ألفه في العراق أو سورية أو لبنان وشُرد منه مرة أخرى. وفوق ذلك، يحنّ الفلسطيني إلى مكان جذره ومنبعه الأصلي في وطنه التاريخي، والذي يعيش ناقصاً ومقطوعاً من دونه. هكذا هو حال لاجئي مخيمات سورية اللاجئين الآن في مخيمات لبنان، الذين يحلمون بـ”العودة” إلى اليرموك أو النيرب أو خان الشيخ، كمحطة سابقة أقرب إلى الوطن، في تعاقب المحطات الذي جعل السكة بعيدة، حتى تخلّق شعور باستحالة الطريق المختصر -لعل العودة من نفس الطريق الطويل الذي جاؤوا منه تعيدهم إلى المبتدأ.
المعرفة عن أحوال اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات لبنان توجع، الآن وفي كل آن. ويصف الكاتب ريتشارد هادريغان شيئاً من معاناة أسرة فلسطينية في مخيم شاتيلا (في مقال نشرت الغد ترجمته قبل يومين)، كعينة فقط من جبال المشكلات التي تواجه الناس هناك. والمفاجئ على وجه الخصوص مساحة المخيم التي لا تتجاوز 1 كيلومتر مربع، والتي كان يعيش فيها 20.000 شخص ليتضاعفوا بعد قدوم اللاجئين الجدد من سورية إلى 40.000. كيف يمكن ذلك، والكثيرون من المشاهير –ناهيك أصحاب الإقطاعات من السياسيين-  بيوتهم الشخصية وعزبهم بأضعاف مساحة شاتيلا، وحيزهم الفردي من العالم أضعاف مساحة الأربعين ألف فلسطيني مجتمعين في شاتيلا. كيف يعيش في شاتيلا الصغير كل هؤلاء الناس ولا يختنقون؟!
في البيت الذي زاره الكاتب، ينام ثلاثة شبان في الظهيرة القائظة –ليس تعباً من صيام رمضان، وإنما لأنهم عاطلون عن العمل. وتضع بعض الأرقام عدد الأعمال التي يُحظر على الفلسطينيين مزاولتها في لبنان عند 88، منها الطب والهندسة والمهن القانونية. وحتى وظيفة عامل في فندق أو مطعم غير متاحة لهم خارج المخيم، لأن اللبنانيين لا يريدون التعامل معهم. وبذلك، يترتب على سكان المخيم أن يجدوا عملاً في المخيم!
القادمون من مخيمات سورية أيضاً يترتب عليهم البحث عن مكان ووسيلة للعيش في شاتيلا الصغير، في مكان يعيش فيه تسعة أفراد في غرفتين. والمخيم بائس الخدمات أصلاً، بلا كهرباء منتظمة ولا ماء نظيف ولا جمع مناسب للقمامة. وبالإضافة إلى نوء وكالات الإغاثة بحمل فائض لمحاولة الوفاء بالحاجات الإنسانية لسكانه –حتى قبل قدوم السكان الجدد- تتحدث كالة الغوث الرئيسة (الأونوروا) عن خفض جديد في الخدمات. وبوسع المرء أن يتخيل فقط أن يصبح مثل هذا المكان المكتظ المخنوق والفقير ملاذاً يساوي الحياة نفسها لمن فروا بحياتهم من الهول في سورية، الباحثين عن الأمن حتى بهذه الكيفية ويهربون من الرمضاء إلى النار، لمجرد البقاء على الحياة مع المزيد من الغربة والضيق.
كيف يجد العاطلون عن العمل شغلاً في كيلومتر مربع، حين يعز العمل في دول؟ أي عمل يمكن أن يزاوله شباب المخيم؟ بناؤون في المكان المتراكب السوريالي المكتظ؟ عمال فنادق وكافيهات؟ سائقو فاليه؟ ماسحو أحذية في الأزقة المغبرة القذرة؟ مقاتلون لا يجدون ما يفرغون فيه حنقهم غير أنفسهم؟ بأي مشيئة يُسلَم الفلسطينيون إلى هذا الوضع القاهر؟ بأي معجزة يتمكنون من الحياة، مع الشجار واليأس والأمل والحنين المركب؟ وإلى من يلجأون؟!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock