ترجمات

البحرية الأميركية ليست مستعدة لمواجهة إيران

مايكل موران* – (فورين بوليسي) 30/9/2019
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

مهما كان السبب وراء رد فعل إدارة ترامب غير الحاسم على الضربة الإيرانية بالصواريخ والطائرات من دون طيار في 14 أيلول (سبتمبر) ضد المنشآت النفطية السعودية، فثمة شيء واحد واضح: أن قدرة الولايات المتحدة على ممارسة القوة في منطقة الخليج الفارسي من خلال المجموعات الضاربة المرافقة لحاملة طائرات -وهو الخيار الذي تذهب إليه الولايات المتحدة في مثل هذه الحالات منذ عقود- ليست كما اعتادت أن تكون في السابق، ولا هي كما كان يمكن أن تكون.
في وقت ليس ببعيد، كان يمكن لنسخة حديثة من “دبلوماسية القوارب” -إرسال حاملات طائرات أو صواريخ كروز الموجهة إلى المنطقة لتتسكع في عرض البحر بعيداً عن الشاطئ- أن تؤثر على الأحداث بطريقة حاسمة. في العام 1981، قامت طائرات انطلقت من حاملة طائرات أميركية بإسقاط اثنتين من مقاتلات الزعيم الليبي معمر القذافي في خليج سدرة. وفرض تمركز حاملة طائرات أميركية قبالة سواحل لبنان في العام التالي وقفاً لإطلاق نار على كل من إسرائيل والفصائل اللبنانية لفترة طويلة بما يكفي للتأثير على عملية الإجلاء التي نظمتها الولايات المتحدة لمقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من البلد، والتي أدت إلى إزالة مصدر واحد على الأقل من مصادر الفوضى في البلد. وبالمثل، في العام 1996، كان رد الرئيس الأميركي بيل كلينتون على المناورات الحربية الصينية الاستفزازية قبالة سواحل تايوان هو إرسال اثنين من حاملات الطائرات الأميركية إلى مضيق تايوان، مما دفع بكين إلى التراجع بمهانة، وهي الحادثة التي يتم الاستشهاد به مراراً وتكراراً اليوم كسبب لمثابرة الصين على بناء قواتها البحرية الخاصة.
ومع ذلك، لم يعد نشر للقوات من هذا النوع يثير اليوم نفس الاستجابة من خصم محتمل. ويعكس هذا التغيير، في جزء منه، تراجع الميزة التكنولوجية الهائلة التي كانت تتمتع بها البحرية الأميركية منذ عقود على أي منافس واقعي. اليوم، أدى ظهور الطرازات الجديدة من غواصات الديزل الهادئة والتطورات الجديدة في تكنولوجيا الألغام اللاصقة والطوربيدات إلى جعل العمليات القريبة من السواحل المتوترة أكثر خطورة مما كانت عليه في الماضي. ونتيجة لذلك، لم تعد حاملات الطائرات الأميركية محصنة ضد المخاطر عند دخولها مياهاً تكون في نطاق عمل مجموعة من قوات العدو.
لكن الأخطر من هذا، مع ذلك، هو نشر أنظمة “الحرمان من المنطقة” الروسية والصينية، مثل صاروخ (دي. أف-21) DF-21 المضاد للسفن الذي يسمى “قاتل حاملات الطائرات”، والذي طورته الصين في العقد الماضي. ويزيد مدى هذا الصاروخ عن 1000 ميل، بحيث يتجاوز مداه بكثير مدى أي طائرة حربية رابضة على متن السفن الحربية الأميركية اليوم. وسوف يعني الإبحار بأي مجموعة ضاربة لحاملات طائرات أميركية عبر مضيق تايوان هذه الأيام -في عرض لدعم القوى المؤيدة للديمقراطية في هونغ كونغ، على سبيل المثال- المخاطرة بمواجهة كارثة.
بطبيعة الحال، لا تمتلك إيران حتى الآن أي شيء متطور مثل صواريخ (دي. أف-21) الصينية. ومع ذلك، فإن صاروخها المضاد للسفن المنتَج محلياً “نور” (وهو في حد ذاته مبني على أساس إعادة هندسة لصاروخ كروز صيني سابق) يُعد خطيراً على مدى 100 ميل. وفي العام 2016، اكتشفت السفينة-المدمِّرة “يو إس إس ماسون”، هذا القدر عندما تم استهدافها بالعديد من صواريخ “نور” التي يبدو المتمردين الحوثيين، حلفاء إيران في اليمن، هم الذين أطلقوها. وكان المزيج من هذه الصواريخ وأسطول إيران من قوارب الدوريات السريعة ورخيصة الكلفة كافياً لإبقاء حاملة الطائرات الأميركية “يو. أس. أس. لينكولن” خارج الخليج الفارسي مع تزايد التوترات بين إيران والولايات المتحدة في هذا الصيف.
هذه لحظة مهمة بالنسبة للاستراتيجيين العسكريين. فحتى ضد ما يعتبرها الجيش الأميركي قوة من الدرجة الثانية مثل إيران، تظل خيارات واشنطن محدودة للغاية. ونتيجة لذلك، بينما تتساءل إدارة ترامب عما يجب القيام به في موضوع إيران، سوف تكون خيارات الرئيس دونالد ترامب محدودة، ومن المحتمل أن تكون مقصورة على السفن الحربية السطحية والغواصات القادرة على إطلاق صواريخ كروز طويلة المدى وطائرات حربية متمركزة في دول شرق أوسطية حساسة سياسياً وغير موثوقة، أو استخدام القاذفات الاستراتيجية مثل “بي-52″ و”بي-2” المتمركزة على بعد نصف العالم. الآن، فجأة، أصبحت القوة الجوية البحرية، والتي كانت منذ الحرب العالمية الثانية السلاح الرئيسي في ترسانة الولايات المتحدة في مثل هذه السيناريوهات، غير مهمة.

  • * *
    لطالما حذر الضباط الذين لديهم نظرة مستقبلية في البحرية الأميركية لسنوات من أن هذا اليوم سيأتي. ومثل طياري البحرية في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين الذين تنبؤوا بنهاية البارجة كسلاح البحرية الأكثر أهمية، بالنسبة لضباط اليوم، تشكل الإشارة إلى أن نهاية بعض معدات البحرية المحبوبة أكثر ما يكون والأكثر تكلفة في البحرية الأميركية بالكاد خطوة تخدم التحسن المهني. ومع ذلك تستمر بعض الأصوات في التحذير.
    في مقالة استفزازية نُشرت في مجلة معهد البحرية الأميركية “بروسيدنغز” قبل سنتين، كتب ملازم البحرية، جيف فانديننغل: “في القوات البحرية اليوم، أصبحت حاملة الطائرات ’أكبر كثيراً من أن يتم إغراقها‘. ومع ذلك، تبقى البحرية عمياء عن واقع أن حاملات طائراتها معرضة للهزيمة في المعركة -بتدميرها، أو إصابتها بأضرار، أو ردعها عن استكمال مهماتها.
    أو أنها ربما لا تكون عمياء تماماً. فبعد كل شيء، بقيت حاملة الطائرات “لنكولن” وجناحها الجوي القوي المكون من 90 طائرة، على بعد حوالي 200 ميل من ساحل عُمان منذ شهر أيار (مايو)، على الرغم من أن مدى طائراتها الضاربة من طراز (أف/إيه-18) F/A-18 يبلغ نحو 500 ميل. وفي أفضل الأحوال، يترك هذا البعد الطائرات الضاربة بالكاد قادرة على الوصول إلى الساحل الإيراني الشرقي والعودة، وقاصرة بمئات الأميال عن بلوغ القواعد البحرية الإيرانية في الخليج التي يشار إليها في معظم الأحيان على أنها أهداف محتملة.
    ليست البحرية على غير دراية تماماً بهذه المشكلة، أيضاً. وقد بذلت، على مدار العقود القليلة الماضية، العديد من الجهود لمعالجة مشكلة الحرمان من دخول المنطقة.
    أولاً، في الثمانينيات من القرن الماضي، شرعت القوات البحرية في تطوير طائرة هجومية تتمركز على حاملات الطائرات، هي (إيه-12 أفينجر، 2) A-12 Avenger II، مع شركتي “ماكدونيل دوغلاس” و”جنرال دايناميكس”. وكان يفترض أن تحل هذه الطائرة محل طائرة حربية من حقبة حرب فيتنام، (إيه-6 إنترودر) A-6 Intruder، والتي اختفت في نهاية المطاف من مخزون البحرية في العقد الماضي. وكان من المفترض أن يبلغ مدى الطائرة (إيه-12، 2) أكثر من 900 ميل، وأن تكون كذلك بديلاً مبكراً لتقنية الشبح. ولكن، لسوء الحظ، مع استمرار الأوامر بالتغيير وتراكم التجاوزات، كبرت الطائرة لتصبح فيلًا أبيض بوزن 30 طناً. ولو أن وزير الدفاع الأميركي ديك تشيني لم يقتلها في العام 1991، لكانت قد استهلكت كامل ميزانية شراء الطائرات الخاصة بالبحرية الأميركية خلال أوائل التسعينيات. ومع انتهاء الحرب الباردة، ذهب الإجماع إلى أن طائرة (إيه-12) لم تعد لازمة.
    ثمة محاولة أخرى جاءت في الألفية الجديدة. فقد وجدت البحرية في حقبة ما بعد الحرب الباردة، بعد أن أصبحت نجاعتها رهينة لامتلاك طائرة هجومية بعيدة المدى، وجدت نفسها وهي تعمل بشكل متزايد في مياه غير مناسبة لحاملات الطائرات الكبيرة: قبالة سواحل الصومال، وتيمور الشرقية، والخليج الفارسي نفسه بطبيعة الحال. وهنا تدخل السفينة القتالية الساحلية. وكان المفهوم هو ابتكار شيء يكون أقرب إلى الطرادات الرخيصة والعملية التي كانت قد ساعدت البحرية الملكية البريطانية في الحفاظ على الممرات البحرية الأطلسية مفتوحة خلال معارك الغواصة الألمانية “يو-بوت” U-boat في الحرب العالمية الثانية. وبعد ستة عشر عاماً من التطوير، وحتى هذا العام، لم تتمكن حتى واحدة من هذه السفن -التي أطلق النقاد عليها، تندراً، اسم “سفينة كرايبي الصغير”- من اجتياز اختباراتها في البحر. وخلصت مراجعة البنتاغون للعام 2017 إلى أن أياً من التصميمات الحالية لن يكون “قابلاً للنجاة في قتال شديد الكثافة”.
  • * *
    سوف تمر سنوات قبل أن تتمكن الولايات المتحدة من استعادة تفوقها البحري السابق -وهي سنوات لا يستطيع المرء خلالها سوى أن يفترض فقط أن الصين وروسيا، وآخرين، سيقومون بتوسيع قدراتهم الخاصة في موضوع “الحرمان من المنطقة”. وحتى لو كانت لدى حاملات الطائرات الصينية فرصة ضئيلة للنجاة أمام نظيراتها الأميركية في البحر المفتوح، فإن الهدف منها ليس ممارسة أدوار القوة العظمى في الأماكن البعيدة. إن الهدف منها، ببساطة، هو إبعاد الولايات المتحدة عن بحر الصين الجنوبي والمياه الأخرى التي تعتبرها بكين حوضها الوطني الضحل.
    يأمل البعض في أن طائرات (أف-35 سي. لايتننغ، 2 أس) F-35C Lightning IIs التي سيتم نشرها قريباً على حاملات الطائرات (والتي ربما يصل مداها إلى 1300 ميل) وطائرات (سوبر هورنيت أف/ إيه-18) F/A-18 Super Hornets المطورة (التي تحتوي على خزانات وقود إضافية لتوسيع نطاق وصولها إلى 750 ميلا)، ستساعد السفن الحربية كما يجب. ولكن هذه الطائرات، أيضاً، ما تزال على بعد سنوات ومداها أقل بأميال من المدى المثالي. كما أن نشر طائرات التزود بالوقود المتمركزة على حاملات الطائرات -التي لا يوجد أي منها في الوقت الحالي أو التي ما تزال قيد الطلب- ما يزال شأناً بعيد المنال بالمقدار نفسه.
    وحتى تصبح الأمور السيئة أكثر سوءاً، بسبب مشاكل التخطيط وتخصيص الميزانيات، هناك واحدة فقط من حاملات الطائرات الكبرى الإحدى عشر العاملة أو التي تحت الإنشاء للبحرية الأميركية -لينكولن- هي القادرة على تشغيل طائرة (أف-35 لايتننغ 2) الجديدة. وتتوقع البحرية أن لا تتمكن حاملات الطائرات الأخرى من تشغيل طائرات “الشبح” طويلة المدى، أيضاً، قبل العام 2020. وحتى ذلك الحين، احذروا من أي قعقعة سيوف يمكن أن تشمل استخدام حاملات الطائرات. إنها، ببساطة، لا تستطيع أن تصل إلى هناك بأمان.

*الرئيس التنفيذي لـ”ترانسفورماتيف”، وهي شركة استشارية للمخاطر السياسية والجيوستراتيجية، مقرها دينفر.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
The U.S. Navy Isn’t Ready to Take On Iran

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock