السلايدر الرئيسيالغد الاردنيمقابلات

البخيت: الفشل مصير أي حل أو صفقة لا تلبي الحقوق الفلسطينية ومصالح الأردن

"الكونترول" وموزّع السجائر الذي وصل سدّة الرئاسة يفتح مذكراته لـ "الغد"

حاوره: د. محمد أبو بكر

عمان– في الحوار مع الدكتور معروف البخيت؛ يشدّك الحديث إلى أيام القرية التي ولد وترعرع فيها (ماحص) العام 1947، حيث كان جدّه من الملاكين الكبار للأراضي الزراعية، ومعظم أولاده كانوا يعملون بالزراعة كغيرهم من أبناء القرية ومناطق الأردن الريفية المختلفة، والده انتقل في وقت سابق للعمل بمطار ماركا حيث كانت قاعدة جوية بريطانية، مجرّبا حظّه بالذهاب إلى عمان المدينة، لعلّ فيها ما يغنيه عن العمل الشاق بزراعة وفلاحة الأرض، وربما بتأثير من أخيه الكبير الذي كان يعمل في عمان.
يشتاق (أبو سليمان) إلى أيام عمان القديمة، ويبدأ بوصف مناطقها، والإقامة الأولى في حي المعانية، وكيف كانت منطقة المحطّة رئة عمان ومركزها الرئيس؛ فكلّ مؤسسات الدولة موجودة هناك، حتى أنها لم تسلم من وجود السجن الشهير فيها، والذي ذاع صيته حتى ثمانينيات القرن الماضي عندما تم الخلاص منه وهدمه.
في الحوار مع رئيس الحكومة الأسبق؛ أنت أمام شخصية الفلاح الأردني البسيط الذي يمتاز بالتواضع، ويعود بالذكريات الجميلة البسيطة إلى تلك الأيام التي كان فيها الناس يعرفون بعضهم بعضا، حيث أواصر الأخوّة والجيرة الحسنة الطيبة التي نفتقدها اليوم.
يتذكّر البخيت كيف أن والده صارحه بعدم قدرته على تدريسه بعد انتهاء المرحلة الثانوية لضيق ذات اليد، فاختار الذهاب إلى الكلية العسكرية.

الدكتور معروف البخيت وهو يعمل في صغره على دراجته الهوائية بتوزيع الدخان في المحطة (من المصدر)


الدكتور البخيت الحاصل على الدكتوراة من “كنجز أكاديمي” بجامعة لندن، انخرط في صفوف القوات المسلحة العام 1964 إلى أن تقاعد منها العام 1999، وخلال السنوات الأخيرة في الجيش شارك بالمفاوضات وأصبح منسّقا لعملية السلام ورئيسا للجنة اللاجئين، وتولّى موقع مدير الأمن الوطني ومدير مكتب جلالة الملك، قبل ذلك خدم سفيرا في تركيا وفي إسرائيل، إلى أن اختاره جلالته رئيسا للوزراء العام 2005، ثم عودته ثانية لتشكيل الحكومة العام 2011 .
لـ”لغد”؛ فتح البخيت قلبه وعقله، لم يضع أي فيتو على أي سؤال، السيجارة لا تترك يده أبدا، وهو الذي كان يقوم بتوزيع السجائر على المحلات التجارية من على دراجته الهوائية وهو صغير، حيث يشعر بالفخر تجاه تلك الفترة من عمره، والتي حملت في ثناياها تعبا وشقاء، فهو ليس من اولئك الذين ولدوا وفي أفواههم ملاعق من ذهب، فهو ربما لم يعرف الملعقة إلّا متأخرا، لأن المناسف لا تؤكل بها!
وفيما يلي نص الحوار..

  • لنتحدث أولا دولة الرئيس عن بداياتك الأولى؛ في القرية ثمّ الانتقال إلى عمان بعد ذلك، ماذا تقول ذاكرتك؟
  • ولدت بقرية ماحص المجاورة للفحيص، كانت في السابق قرية صغيرة هادئة ووادعة، سكانها يعرفون بعضهم بعضا، عادات وتقاليد هي كعادات كل الأردنيين البسطاء ذلك الوقت، الوالد كان يعمل بالزراعة مع ما تحمله هذه المهنة من كدّ وتعب لتوفير مايلزم من متطلبات البيت طيلة العام، ورغب والدي أن يبدأ مرحلة أخرى من حياته تمثّلت بقراره بالانتقال إلى عمان، حيث التحقت به كامل العائلة فيما بعد.
    في العاصمة؛ كانت الإقامة الأولى بحيّ المعانية، وعندما أتذكّر تلك الأيام، كانت منطقة المحطة هي المكان الأبرز بالعاصمة؛ ففيها معظم دوائر ومؤسسات الدولة، وأكبر معسكر للجيش، وفيها الجمرك والمطار العسكري، وكانت إمكانية العمل متاحة جدا، والناس تتمتع بالطيبة والسهولة في التعامل دون تعقيدات، وتمسكهم بالعادات العربية الأصيلة التي نشتاق إليها.
    قام والدي بفتح محل (بقالة) وكان تاجرا بالجملة للسجائر، حيث كنت أقوم بركوب الدراجة الهوائية وأعمل على توزيع السجائر على المحلات، وأذكر من انواع السجائر (سيّد، لولو، سبورت ثم كمال)، وعملت أيضا بأعمال كثيرة بما فيها عامل للباطون.
    وبعد ذلك اتفق والدي مع أشقائه (أعمامي) على التوجه لعمل آخر، حيث قاموا بالحصول على رخصة لتسيير باصات على خط المحطة الهاشمي، وعملت (كنترولا) عليها دون مقابل، إضافة إلى أنني كنت أمسك حسابات المحل.

• كيف كان مجتمع المحطة في تلك الأيام، ومن هم زملاء المرحلة؟

  • كان مجتمعا متنوعا؛ هناك الشوام والشركس ومن جاؤوا من فلسطين قبل 1948 وغيرهم، كان مجتمعا متقاربا متحابا، درست الابتدائية والإعدادية في المدرسة العلوية في المحطة ثم انتقلت إلى مدرسة رغدان لسنة دراسية قبل أن التحق بالفرع العلمي بكلية الحسين، وأنهيت الثانوية العام 1964 .
    في كل مرحلة دراسية هناك زملاء أتذكرهم؛ ففي المدرسة العلوية كان أخي عارف سليمان البخيت وابن عمي ابراهيم داوود العبادي، وأذكر الدكتور نبيل سمارة والدكتور زهير غوشة والدكتور حافظ هاشم عرفة، وفي مدرسة رغدان أذكر المرحوم عوني بلال قائد سلاح الجو فيما بعد، ومنعم زيدان صويص وآخرين، ومن كلية الحسين دولة نادر الذهبي والفريق الدكتور مناف حجازي، ومن الشخصيات البارزة جميل الصالح حتّر وعبده نقاوة وعمي الشيخ داود العبادي (والد الدكتور عبد السلام العبادي) والدكتور موفق خزنة كاتبة (طبيب سكة الحديد في ذلك الوقت).

• في المحطة كانت معظم مؤسسات الدولة وكذلك السجن الشهير، هل لديك ما تقوله عن ذلك السجن؟

  • سجن المحطة نال شهرة واسعة إلى أن تمّ هدمه في ثمانينيات القرن الماضي، وأتذكّر مدير السجن الحاج عربي سالم، ومن قبله شخص من بيت الساكت؛ وهنا لابد من الإشارة إلى موقف يدعو للاستغراب والضحك؛ حيث كان شاعر الأردن عرار مسجونا في المحطة وتربطه علاقة وثيقة مع المدير الساكت، حيث كان الأخير يصطحب عرار معه كل مساء خارج السجن يسهران معا ثم يعودان إليه وكأن شيئا لم يكن!

• لنتحدث عن دراستك بعد ذلك ودخولك الكلية العسكرية ومابعدها؟

  • والدي رحمه الله، وبعد انتهاء المرحلة الثانوية، أبلغني بعدم قدرته على الإنفاق على دراستي لضيق ذات اليد، وبالتالي التحقت بالكلية العسكرية، وبعدها استكملت دراسة البكالوريوس بالجامعة الأردنية تخصص إدارة، وفي كلية القيادة والأركان كنت من الأوائل، وبالتالي من حقي الذهاب بدورة خارجية، ولكنهم حرموني إيّاها، فشكوت الأمر للشريف زيد بن شاكر القائد العام للقوات المسلحة، شارحا الظلم الذي تعرضت له ، وفي تلك الفترة كنت في سلاح الجو، فطلب الشريف زيد منّي أن أصبر لبعض الوقت إلى أن عرض عليّ مساعد قائد سلاح الجو تيسير زعرور الذهاب لدراسة الماجستير في الولايات المتحدة.
    حصلت على الماجستير تخصص إدارة بحوث عمليات وتحديدا حل مشكلات الإدارة بواسطة الرياضيات، ثم رجعت إلى الأردن مديرا للدراسات في الجيش، ثم طلبني الشريف زيد وأعطاني (بروشور) طالبا منّي قراءته، وكان عبارة عن برنامج لدراسة الدكتوراة في كنجز كوليج بجامعة لندن، وتمّ لي ذلك.

• عملت مع الأمير الحسن فترة من الوقت؛ كيف تصف العمل بمعيته؟ وماذا عن تلك الفترة؟

  • العمل مع سمو الامير الحسن متعب وشاق ولكنه ممتع أيضا، فهو عملي وميداني ويريد الإنجاز بسرعة وبدقّة، وسموّه مدرسة بحدّ ذاته، وحتى ذهابي للمشاركة في المفاوضات العام 1994 كان عن طريق سموه؛ حيث طلب منّي أن أكتب عن مواقف الأردن في مختلف القضايا ذات العلاقة كاللاجئين والقدس والحدود وغيرها قبل الذهاب للمشاركة ضمن الوفد المفاوض، وبعد تقاعدي من الجيش تسلّمت موقع المنسق العام لمفاوضات السلام، ومستشارا في دائرة المخابرات ورئيسا للجنة اللاجئين.

• تسلّمت موقعا تمّ استحداثه وهو مدير الأمن الوطني، وبعدها لم نعد نسمع بهذا المصطلح، ماذا يعني هذا الجهاز؟

  • الأمن الوطني هو جهاز مركزي ويمكن اعتباره عقل الدولة، وله علاقة بتغيير مفاهيم الأمن؛ فالأمن ليس فقط جهاز الشرطة أو المخابرات أو الدرك أو أمن الحدود، فهناك الأمن التعليمي والأمن الغذائي وأمن التكنولوجيا وغيرها، أي أنك تتحدث عن الأمن بمفهومه الشامل، وأحيانا قد تضطر لشراء خدمات لبعض الأشخاص الذين يمكن لهم تقديم إضافة لعملنا، والكثير من اجتماعاتنا كانت تعقد برئاسة جلالة الملك، وكنت بالإضافة لهذه الوظيفة مديرا لمكتب جلالته.
    هذا العمل كان متعبا جدا وحمّلني أعباء كثيرة وكبيرة، والملك كان حريصا جدا على ضرورة التقدم والإنجاز دون تأخير، فإذا أمر بشيء فلا بدّ من التنفيذ.

• هل فوجئت بتعيينك سفيرا في تل أبيب؟ وكيف جرى ذلك؟

  • كنت أتوقع ذلك؛ ولم أفاجأ أبدا، ولكن المفاجأة أنني كنت على رأس عملي سفيرا في أنقرة، وتم الاتصال بي يوم الخميس من قبل وزير الخارجية الذي طلب مني الحضور إلى عمان فورا لأجل الذهاب إلى تل أبيب يوم الأحد، فاستغربت هذا الاستعجال، فهل يعقل وخلال 48 ساعة أن أقوم بتجهيز نفسي والذهاب إلى تل أبيب؟! وهذا ما حصل فعلا، وكانت وزارة الخارجية قد أعدّت كل الترتيبات ومنها أوراق الاعتماد، وبالفعل كنت يوم الاحد في تل أبيب، حيث مكثت في هذا الموقع أقل من ستة شهور.

• حدّثنا عن وجودك في تل أبيب وعلاقاتك مع الساسة الإسرائيليين، وكذلك مع فلسطينيي الداخل؟

  • تعاملت مع معظم الشخصيات الإسرائيلية، حيث كان شارون رئيسا للوزراء ونتنياهو وزيرا للمالية وتسيبي ليفني وزيرة للعدل.
    كان هناك أردنيون في السجون الإسرائيلية ومحكومون بالإعدام، وكنت دائما أقوم بزيارات لهم، وناقشت شارون في موضوع إطلاق سراحهم وطلبت منه إظهار بادرة حسن نيّة تجاه الأردن والعمل على إطلاق سراحهم، وقلت له؛ لماذا لا تفرج عنهم وترافقهم إلى عمان؟ بالطبع لم يلتفت شارون لكل هذه المطالبات، وكنت دائما ما ألتقي مع وزيرة العدل بخصوصهم ، وفي يوم كنت بوزارة العدل قبل حضور ليفني فشاهدتني وقالت لي؛ أنت كل يوم بوجهي؟ هل تظنّ أنه ليس لي عمل غير هؤلاء؟ فأجبتها بأن ليس لي عمل إلّا هؤلاء! نعم لقد حاولت كل جهد ممكن للعمل على الإفراج عنهم، ولكن للأسف لم يفرج عنهم إلّا في عهد إيهود أولمرت، وكان الاتفاق بقضاء باقي مدّة سجنهم (18 شهرا) في الأردن، وفي الحقيقة أمضوا معظمها في المستشفيات، وتم تأمين فرص عمل لهم، ويقومون بزيارتي أحيانا.
    وبخصوص فلسطينيي الداخل؛ فقد ربطتني بهم علاقات وثيقة جدا، سواء النواب العرب في الكنيست أو رؤساء البلديات والمواطنون وكذلك الشيخ رائد صلاح، وكانت فرصة ذهبية لي أن أزور كافة أنحاء فلسطين والتعرف على قراها وبلداتها من الشمال إلى الجنوب، حتى أنني بعد الانتهاء من دوامي في السفارة كنت أقوم بجولات في كافة المناطق، كان في الذهن بعض الأماكن مثل يالو وعمواس ومعسكر اللطرون والدير الفرنسي وغيرها، كل هذه الأماكن تمت إزالتها وأصبحت أثرا بعد عين.

• والعلاقة مع السلطة الفلسطينية كيف تصفها؟

  • بصفتي منسقا لعملية السلام سابقا؛ فقد زرت الرئيس الراحل ياسر عرفات عدة مرات، وكان نظيري بالجانب الفلسطيني الرئيس محمود عباس، الذي كان رئيسا لدائرة اللاجئين، وكان أبو مازن كثيرا ما يفقد أعصابه، ويمكن القول هنا أن للرئيس عرفات الفضل الكبير بنقل موضوع اللاجئين من قضية إنسانية إلى قضية شعب يطالب بحريته فبات موضوعا سياسيا، وما يزال كذلك مستمرا مع الرئيس أبو مازن، ولا شك هناك تعاطف دولي كبير مع القضية الفلسطينية وحق تقرير المصير لهذا الشعب رغم كل الظروف السيئة المحيطة.

• وماذا تقول باتفاق أوسلو والذي تم تناوله كثيرا؛ سواء من حيث الانتقاد أو عدم وجود البديل؟ كيف قرأت هذا الاتفاق الذي فاجأ العالم؟

  • بالطبع قيل الكثير بهذا الموضوع الخلافي والإشكالي، ولكن علينا أن نتحلّى بالواقعية عند محاكمتنا لأوسلو، فأبو عمار كان يريد دخول فلسطين بأي شكل من الأشكال وإقامة الدولة، كان يريد مقارعة الإسرائيليين من داخل فلسطين رغم مساوئ الاحتلال، ولا ننسى أن مجموع الفلسطينيين الذي دخلوا أرض فلسطين يتجاوز الثلاثمائة ألف فلسطيني، وهذا بحد ذاته مالم تكن إسرائيل تتوقعه، ولكن من سوء حظ القيادة الفلسطينية مجيء حكومات يمينية متطرفة أعاقت الاستمرار بتنفيذ الاتفاق .

• يعود الحديث مجددا الآن عن صفقة القرن؛ ويرى البعض أن الصفقة باتت جاهزة وربما يتم الإعلان عنها بعد الانتخابات الإسرائيلية، كيف تعلّق على ذلك؟

  • كل إجراءات ترامب سواء الاعتراف بالقدس أو نقل السفارة الأميركية إليها والتوقف عن دعم الأونروا ما هي إلا حبر على ورق؛ كونها إجراءات أحادية فردية ومخالفة للقرارات الدولية، ومهما احتوت الصفقة المذكورة على إجراءات لا تلبّي تطلعات الفلسطينيين ونيل حقوقهم فمصيرها الفشل، لأن المعني بموضوع أي مبادرة لحل القضية هو الشعب الفلسطيني وكذلك الأردن، ومن هنا فإنني أدعو للثبات على المواقف، والتماسك الأردني الفلسطيني، وتنسيق العمل والتشاور الدائم بين الجانبين لإفشال أي مخطط مهما كان مصدره ويهدف إلى ضياع الحقوق، ونحن نعلم بأن الأردن يتّخذ موقفا صلبا وثابتا تجاه القضية الفلسطينية.
    أي حل قادم سيتم فرضه ولا يلبي تطلعات الفلسطينيين وحقهم في إقامة الدولة وعاصمتها القدس وحل كل القضايا العالقة حتما سيفشل، لذلك لا يمكن تجاوز الأردن وفلسطين لأنهما الأساس بأي حلّ قادم ومصيرهما واحد ومشترك.

• بصراحة دكتور؛ هناك تخوّفات عند بعض الأردنيين مما هو قادم وخاصة فيما يتعلق بالهويّة الأردنية في ظل هذا الغموض المتعلّق بالقضية الفلسطينية وما يطرح بين الحين والآخر؟

  • بصوت عال أقولها؛ لا خوف على الهوية الأردنية أبدا، فالفلسطيني ثابت فوق أرضه، وقد تعلّمت درسا من عجوز (ختيارة) فلسطينية راقبتها على إحدى الفضائيات وهي جالسة على آثار بيتها المدمّر إثر غارة إسرائيلية وهي تقول؛ لقد تعلّمنا الدرس جيدا، لن نغادر بيوتنا حتى لو دمّروها فوق رؤوسنا.
    الأردني وحدوي بطبعه، ومنذ إنشاء الإمارة والحكومات الأردنية تضم مختلف الجنسيات العربية، وأول ثلاثة رؤساء للحكومة كانوا من غير الأردنيين، وأول رئيس حكومة أردني جاء في الخمسينيات.
    الأردنيون حريصون كل الحرص على بقاء الشعب الفلسطيني بوطنه، والأردن هو الوحيد اليوم الذي يقدّم كل أشكال الدعم لشقيقه الفلسطيني حتى يبقى متشبثا بأرضه ولا يغادرها، وعلينا التأكيد بصورة دائمة على تميّز العلاقة بين الطرفين وصولا نحو تحقيق أماني هذا الشعب بالحرية والخلاص من الاحتلال.

• الإدارة الأميركية تعمل على حشد العديد من العواصم ضد إيران باعتبارها مصدر الخطر على المنطقة، هل ترى بأن الأردن على استعداد للدخول في حلف معاد لإيران؟

  • إيران دولة أصيلة بالمنطقة وليست طارئة كإسرائيل، ولها أهميتها وتأثيرها، وهذا ينطبق على تركيا أيضا، والأردن دائما ضد أي حلف من هذا النوع، فسياستنا قائمة على عدم الدخول بأحلاف أو معاداة أحد، ولذلك أنا أدعو هنا للحوار مع إيران وتركيا، لأن أي عداء مع الدولتين لن يصب بمصلحتنا أبدا.

• يقال بأنك من المؤمنين بضرورة الانفصال التام عن الضفة الغربية، وضرورة قوننة فك الإرتباط، ماذا لديكم دولة الرئيس في هذا الشأن؟

  • لنشتغل ياسيدي بوضوح؛ هناك علاقات وحدوية مميزة بين الأردن وفلسطين، وفك الارتباط عبارة عن تعليمات اقتضتها الظروف، وفصل الوحدة بين الجانبين لا يمكن ان يتم دون موافقة مجلس النواب، وعلاقات الجوار والتاريخ والجغرافيا أدت لهذه العلاقة المميزة، وأي صيغة لعلاقات وحدوية قادمة يتم الاتفاق عليها بين الشعبين بعد إقامة الدولة، لأنني أرى حتمية قيام الدولة الفلسطينية، وأنا رجل وحدوي وعلينا الاعتراف بفشل الدولة القطرية كما فشلنا بإقامة الدولة العربية الواحدة.

• ثمة حديث حول مخططات لإقامة دولة فلسطينية في غزة إذا ما فشلت إدارة ترامب في توجهاتها؟

  • مصيرها سيكون الفشل، والشعب الفلسطيني لا يمكن له القبول بذلك أبدا، ولا أعتقد بأن الإدارة الأميركية ستكون بهذا التفكير الضحل.

• أنت من الرؤساء القلائل الذين جاؤوا لموقع الرئاسة دون أن يتسلّم منصبا وزاريا في أي حكومة، كيف جرى تكليفك بتشكيل الوزارة؟

  • عندما كنت مديرا للأمن الوطني ومديرا لمكتب جلالة الملك كنت قريبا من جلالته، ويبدو أنه أراد أن يعرفني عن قرب، وبالتأكيد كانت لدى جلالته كامل المعلومات عنّي، وهو يعلم أنني من اولئك الذين يحبّون التحدي، فقد كنت من الأوائل بكل الدورات العسكرية التي شاركت فيها، والملك دائما ينظر إلى كل الجوانب دون استثناء، فاتصل بي وكلّفني بتشكيلها في المرّة الأولى العام 2005، بعد تفجير الفنادق في عمان في 9 تشرين الثاني(نوفمبر) 2005 .
    وفي الثانية 2011؛ عندما تم الاتصال بي اعتقدت بأنني عائد لوزارة الأمن الوطني، وفوجئت بطلب جلالته تكليفي مرّة أخرى بتشكيل الحكومة، فخاطبت جلالة الملك مازحا.. لنا تجربة سابقة غير مريحة.. ياسيدي بلاش نخسر، فضحك وقال: ألم تقل لي سابقا بأنك جندي في الاحتياط وتحت الطلب؟ حينها وافقت على ذلك وأبديت جاهزيتي.
  • في عهد حكومتكم الثانية كان الحراك الشعبي قد بدأ في الأردن، كيف تنظر إلى تلك المرحلة، وهل التقيت مع حراكيين خلالها؟
  • تم تكليفي بالاول من شباط(فبراير) 2011 والحراك كان ببداياته، وفي 14 من ذات الشهر استقال الرئيس حسني مبارك فارتفع سقف مطالب الحراك، وكنت أراقبه وأتابعه جيدا، يمكن تفهّم بعض المطالب والعمل على حل ما هو متاح، ولكن بعضها يحتاج لموازنة الولايات المتحدة، ثمّ رأيت أنّه لا بدّ من الالتقاء بهؤلاء، فهم جزء من هذا الشعب ولديهم مطالب ويرفعون شعارات تدعو للإصلاح ومحاربة الفساد، وجميعنا مع كل المطالب المحقّة والمشروعة، ولذلك التقيت مع الكثيرين منهم، مثل حراك ذيبان والسلط وسوف وساكب والطفيلة وغيرهم، كنت استمع لمطالبهم بكل احترام، ولذلك أدعو دائما للاتصال الوجاهي معهم لأهميته.
    ومن هنا فإنني أشدّد على ضرورة لقاء الحكومات مع أي جهات حراكية وعدم الإهمال، المهم عدم تجاوز الخطوط الحمراء، فهذا الوطن للجميع دون استثناء وواجبنا حمايته والدفاع عنه.

• ثمة مشكلة نعاني منها مع مختلف الوزراء؛ كل وزير يأتي يحاول أن يبدأ من جديد، وهو غير مستعد للبناء على ما سبق، ألا ترى بأن مثل هذه التصرفات تعيق العمل وتجعلنا ندور بحلقة مفرغة؟

  • سأعطي مثالا على ذلك؛ في العام 2007 قمنا بتكليف مجموعة خيّرة من الأساتذة الجامعيين لمناقشة واقع التعليم ومشكلاته ووضع التصورات وما إلى ذلك للعمل على حل هذه المشكلة من أصحاب الاختصاص، وبالفعل التقى هؤلاء وأعدّوا تقريرا مفصلا، وكان وزير التربية والتعليم ذلك الوقت الدكتور خالد طوقان، ثمّ استقالت الوزارة وجاء وزير جديد للتربية، ومن اليوم الأول قالها بأنه سيقوم بعمل استراتيجية جديدة للوزارة، علما بأن الوزير الجديد حضر الاجتماعات للمجموعة سابقة الذكر.
    للأسف كل ذلك يعيق العمل واستمراريته، والأصل أن نبني على الإنجاز لا أن نبدأ من جديد.

• لننتقل لموضوع مختلف وهو العلاقة مع جماعة الإخوان المسلمين، هل تعتقد بأن الإجراءات الحكومية تجاههم كانت صائبة؟

  • لا شك هناك احترام متبادل بيننا وبين جماعة الإخوان المسلمين، فأداؤهم بمجلس النواب رصين، ولكن ما حدث في السابق يتعلق بتجاوزات في جمعية المركز الإسلامي الخيرية، وذهبت المسألة إلى القضاء، فهو الفيصل بذلك، أمّا فيما يتعلق بالإجراءات الأخيرة وحالة الشرذمة فهذا أمر يخصّهم. الجماعة لا يمكن تجاهلها أو الانتقاص من وجودها في الشارع وشعبيتها، ولذلك مثل هذه الأمور يجب التعاطي معها بعقلانية، وأسلوب الحوار هو الذي يوصلنا للنتائج التي نتوخاها والتي من شأنها عدم الزج بنا إلى أتون صراعات لا نريدها .

• هناك من يدعو لضرورة إعادة النظر بتشكيل مجلس الأعيان، هل أنت مع ذلك؟ وكيف ترى مستقبل الحكومة البرلمانية؟

  • الأردن لا يتحمّل قفزات، ومن المبكر الحديث عن ذلك، حتى عندما يجري الحديث عن الحكومة البرلمانية فأنا أقولها بصراحة؛ بأننا نحتاج لثلاثين عاما أخرى حتى نصل لهذا الطموح، وبالتأكيد هذا الكلام قد يشكّل إحباطا عند البعض، خاصة اولئك الذين يدعون لإعطاء الأحزاب نسبة أو كوتا بقانون الانتخابات، وبالطبع هذا غير دستوري أبدا، ويحتاج لتعديلات دستورية اولا.

• هذا يقودنا لسؤال فيما يتعلق بالقوانين الناظمة للحياة السياسية؛ كالانتخابات والأحزاب وغيرها، والمجتمع الأردني طيلة ثلاثين عاما بات حقلا للتجارب عندما يتعلق الأمر بالقوانين المذكورة، إلى متى الاستمرار على هذه الحال؟

  • لنعترف أن الرؤية الكاملة الشاملة غائبة تماما، نحن للأسف لا نعرف إلى أين نريد أن نصل، في العام 2006 تحدثت بمحاضرة لي حول التحديات المستقبلية، وقلت بأننا نحتاج لما لا يقل عن عشرين سنة قادمة للوصول لمرحلة تداول السلطة، ومشروع التنمية السياسية يمثّل مرحلة تحوّل حاسمة بالتاريخ السياسي المعاصر للأردن، يهدف إلى الانتقال بالنظام السياسي والاجتماعي من الأنماط التقليدية القائمة منذ عقود طويلة بالدولة لنظام معاصر ومختلف.
    هذا يتطلّب تهيئة البيئة السياسية والاجتماعية وتأسيس ثقافة سياسية وتحضير المجتمع ومؤسساته المدنية وتطوير التشريعات الضرورية.
    وعندما نتحدث عن استراتيجية التنمية السياسية يجب أن تقودنا بالنهاية لحكومة سياسية تعمل وفق الدستور ولا تمتلك أي حصانة، وتخضع للمراقبة والمحاسبة، ونظام برلماني يعكس تمثيلا واقعيا للمجتمع يمارس دوره بمعزل عن التأثيرات الخارجية، ونظام قضاء مستقل ومؤسسات مجتمع مدني منسجمة مع النظام السياسي للدولة.

• بصراحة دولة الرئيس؛ هل الحكومة في الأردن صاحبة ولاية حقيقية؟ أم ان هناك تأثيرات تحدّ من هذه الولاية؟ وكما قال أحد السياسيين بأن منصب رئيس الوزراء فقد هيبته؟

  • الولاية تعتمد بصورة كبيرة على شخصية رئيس الوزراء الذي من حقّه عدم السماح لأي كان التدخّل بعمله، فعندما شكّلت الحكومة لم يتدخل أحد باختياراتي أبدا، قد تأتي بعض التوصيات والملاحظات من جهات أمنية، ولكن بالنهاية الرئيس هو صاحب القرار، من حقه أن يقبل بها أو يرفضها، وسبق أن رفضت الكثير من التوصيات بعدم تعيين بعض الأشخاص.

• من هو رئيس الحكومة القادم باعتقادك؟

  • من الصعب التكهن بذلك، وأعتقد بأن اختيار جلالة الملك للرئيس القادم سيكون عملا صعبا هذه المرّة، فنحن بمرحلة يمكن القول أنها الأكثر حساسية وبالغة الدقّة.

• من هو المسؤول الذي لفت انتباهك على مدى تاريخ الأردن الحديث؟

  • الإدارة الأردنية تميّزت بالعطاء والحكمة والإخلاص، ونحن ننحني إجلالا لكل الآباء المؤسسين وخاصة الملك المؤسس الذي بنى هذه الدولة مدماكا مدماكا من لا شيء، ورغم شحّ الموارد إلا أنه زرع ثقافة الأمل، وكان بعض رؤساء الحكومات قادرين على البذل والعطاء ومنهم المرحوم توفيق أبو الهدى الذي شكّل 12 حكومة في عهد الملوك الثلاثة؛ الملك المؤسس والملك طلال والملك حسين ، وكان زاهدا ، وهناك رموز بالإدارة الأردنية امتازوا بالنزاهة والعفّة والمحافظة على المال العام.

• هل من موقف طريف يمكن ان تتحدث عنه وأنت في موقع الرئاسة؟

  • عندما كنت رئيسا للحكومة وأنا بطريقي من الزرقاء باتجاه عمان، طلبت من السائق الانحراف باتجاه طبربور، حيث كنت أرغب بزيارة منزل لشخص أعرفه قديما يدعى أبو إبراهيم، رحمه الله، وعندما وصلنا تفاجأ من في البيت من زيارة رئيس الوزراء، فأبلغتهم بأن هذا المنزل شاركت في (صبّ الباطون) له وأنا صغير وكانت يوميتي 25 قرشا. كنت أرغب بشكره على كرمه بأن ضاعف الأجر لي ذلك اليوم كهديّة، ولكنني حزنت عندما علمت أنه انتقل إلى رحمة الله منذ مدّة طويلة.

• أمنيتك دولة أبو سليمان!

  • الأمنية الكبيرة هي حل القضية الفلسطينية وإقامة الدولة المستقلة؛ لأن من شأن ذلك أن ينهي مشكلات المنطقة وننطلق نحو البناء الحقيقي.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock