حياتنافنون

البدينات يمرحن أيضاً في لوحات إسراء زيدان

إن كنتِ بدينة، عليك أن تخجلي من الخروج من المنزل، فالأجسام المستديرة تضرّ بتناسق الفضاء العام. لا تفكّري بملابس السباحة، فالله لم يخلق البحر إلا للأجساد المتناسقة.

الحفلات، النزهات، الرقص، التسوّق، ركوب الدراجة، أي نشاط يمارسه الناس العاديون، عليك تأجيله ريثما تخسرين بعض الوزن.

من سلسلة “راقصات شرقيات” (مواد مختلفة على كانفاس – كل لوحة بقياس 60×50 سنتمتراً)

تتردّد معزوفة التأنيب هذه، في رأس كلّ امرأة لا تمتلك مظهراً يتسق مع معايير الجمال السائدة، تحرّضها على الشعور بالعار، على كراهية الذات، وعلى تأجيل حياتها إلى حين تصير بجسد “يستحقّ”.

حين أنشأت الرسامة المصرية إسراء زيدان (1990) حساباً على إنستغرام قبل بضع سنوات، سمعت الكلام ذاته في رأسها.

تقول لـ”بي بي سي”: “كنت أقلّب شريط الصور وأشعر أنّي بحاجة لإجراء تعديلات على شكلي لأصير مقبولة، أي شبيهة بالنساء اللواتي أراهنّ على إنستغرام. كنت أسأل نفسي، لماذا هنّ جميلات هكذا؟ لم أعد أرغب بالخروج من المنزل، لأني مهما فعلت، فلن أصير مثلهنّ. شعرت أنّه لا يحقّ لي أن أستمتع بحياتي، إلا حين أصير بجسد مثالي”.

Azad Art Gallery

ترى إسراء أنّ ثقافة عدم الرضا عن الجسد، مهما كانت مقاييسه، سواء كان بديناً أو نحيفاً، تولّد أجيالًا من النساء التعيسات. هكذا، وجدت نفسها تلجأ إلى الريشة والألوان، لتخلق عالماً على هواها، لا تنتظر نساؤه الإذن من أحد ليعشن حقيقتهنّ.

تقول: “مررت بمرحلة من الكآبة، فبدأت أرسم، وأطلقت العنان لنفسي. لم أفكّر كثيراً بالشكل الذي أخطّه على الورق. فإذا بالخربشات الأولى كلّها لنساء بدينات. كان الأمر أشبه بالعلاج النفسي، كأنّ اللاوعي وجد طريقته للتحرّر من عبء ثقيل”.

نافذة على الحلم

حين بدأت إسراء زيدان بإنجاز لوحاتها الأولى من سلسلة النساء البدينات، في نهاية عام 2016، خشيت أن تعرضها على أساتذتها في معهد الفنون. فالرسامة آتية من خلفية أكاديمية كلاسيكية، إذ أنّها درست الفنون التطبيقية بين مصر وإيطاليا، وتدرّس أصول الرسم الكلاسيكي والتشريح في “جامعة حلوان”.

“فكّرت أنّ أساتذتي في الكليّة والطلاب لن يتقبلوا أعمالي الجديدة، لأنّهم معتادون على تمكّني من الرسم الكلاسيكي والنسب الصحيحة. لكنّ الأستاذة المشرفة على رسالة الماجستير أعجبها عملي، وقالت لي أنّ فيه شيئاً ما، ونصحتني بالمثابرة”.

ESRAA ZIDAN
التعليق على الصورة،وحيد قرن من معرض “صيف حارق جداً” (مواد مختلفة على كانفاس – 100×100 سنتمتراً)

منذ ذلك الحين، انخرطت إسراء في مشروعها الفنّي بشغف، وشعرت كأنّها “فتحت نافذة على عالم أحلم بأن يكون موجوداً، أحلّق فيه وأنطلق، عالم أمضي الوقت فيه مع صديقاتي، نلعب الورق”.

ما أن بدأت بنشر لوحاتها على فيسبوك، حتى تلقّت طلباً لعرضها في صالة فنية ضمن معرض جماعي، فبيعت كلها ليلة الافتتاح.

منذ ذلك الحين، أنجزت معرضين فرديين الأوّل بعنوان “جارات قوس قزح”(2018)، والثاني بعنوان “صيف ساخن جدّاً” (2020)، إلى جانب عشرات اللوحات المنفردة التي طلبت منها لتزيّن بيوت بعض المقتنين في دول عربيّة وغربيّة.

كذلك تحقّق أعمالها انتشاراً على مواقع التواصل، ويتابع حسابها على إنستغرام أكثر من 30 ألف متابع.

إنستغرام للأجساد الممتلئة

ليست إسراء أوّل فنانة ترسم نساء بدينات، ففي بعض التيارات الفنية القديمة، كان الجسد الممتلئ أحد معايير الجمال. كما أنّ التشكيلي الكولومبي فرناندو بوتيرو (1933)، يعرف بأعماله التي تظهر شخصيات بمقاييس مضخّمة.

من ناحية ثانية، منح تطبيق إنستغرام منصّة للفنانين الراغبين بتقديم قوالب جديدة، فهناك حسابات كثيرة لرسامين ومصوّرين يختصّون بتصوير الأجساد الممتلئة، والاحتفاء بها بجميع حالاتها.

ESRAA ZIDAN
التعليق على الصورة،رسم على الفخار

يترافق ذلك مع صعود نجم عارضات المقاس الكبير اللواتي بتن مؤثرات بشكل واضح على مواقع التواصل، وصارت علامات الموضة الكبرى، تشركهنّ في عروضها الرسمية، كما شاهدنا مؤخراً في عرض “فيرساتشي”، وإطلاق مجموعة “فينتي” للملابس الداخلية.

تقول إسراء إنّ بحث العلامات عن التنوّع، لا يقتصر على البدينات فقط، إذ يحاول صنّاع الموضة تمثيل فئات عدّة، وأعراق مختلفة، من البدينات، إلى المحجبات، إلى المصابات بالبهاق، وغيرهنّ.

“هناك عمل على جعل كلّ الناس تشعر أنّها ممثلة، وأنّها تشاهد شخصيات تشبهها، طبعاً هذا بغرض التجارة، ولكنه ذكاء، وعلى الأقل محاولة لكي تألف العيون أشكالاً جديدة”.

تعتقد إسراء أنّ ما لفت النظر في أعمالها، وحظي بالإعجاب، “لم يكن مقاييس الشخصيات فحسب، بل كونهنّ يظهرن في حالة بهجة وسعادة وانطلاق”.

ESRAA ZIDAN

تنوّع وحريّة

ترى الرسامة أنّ الفضاء الافتراضي حولنا يتشكّل من صناعات تجني المال على حساب ما تزرعه الثقافة في نفوس النساء من عار، وخجل، ورفض للذات.

تقول: “كلّ الناس باتت أسنانها بلون واحد، واختفت العيون السود أو البنية، مع أنّ مطربين كثر غنّوا للعيون السود. وقد جعلت ذلك موضوع رسالة الدكتوراه التي أعدّها عن نسب الجمال في الفنّ”.

بين صناعة الحمية القائمة على دراسات غالباً ما تثبت فشلها طبياً، وبين الترويج لحبّ الذات كمفهوم استهلاكي – ينفي التمييز اللاحق بالبدينات سواء أحببن أنفسهنّ أم لم يحببنها – تبدو أجساد النساء أشبه بساحة معركة. معركةٌ قرّرت اسراء زيدان أن تخوضها باللعب واللهو.

ESRAA ZIDAN
التعليق على الصورة،”قلبي طيارة ورق” (مواد مختلفة على كانفاس – 140×160 سنتمتراً)

في لوحاتها المرسومة بالزيت والأكريليك، أزرق، وأصفر، وورديّ، وألوان أخرى زاهية، تضجّ بالحياة والفرح.

قد تبدو أعمالها كأنّها ثورة صغيرة على كلّ النكد المتوقّع من النساء “غير الجميلات”، اللواتي يعتقد أنّهن منغمسات بدور الضحايا، أو يشعرن الأسف المتواصل على الذات.

من دون شعارات ونظريات، تنطلق الرسامة إلى التنفيذ، فتستبدل عدم الثقة بالقبول، والتصالح، والصفح عن الذات.

في أعمالها، ترتدي النساء فساتين مزركشة، بالألوان كافة. يفردن شعرهنّ في الهواء. في بعض اللوحات، يركبن الأراجيح، وفي أخرى يطرن في الهواء، يلعبن الورق، يتمدّدن على الشاطئ، يرقصن، يمارسن الرياضة.

في إحدى أحدث اللوحات من مجموعة “صيف ساخن جدّاً”، تركب إحداهنّ على وحيد قرن. في معظم اللوحات يضعن أحمر شفاه فاقع، ويطلقن ضحكات عريضة، أو يمشين حافيات.

تقول: “أبحث عن رسم النساء بأكثر شكل حرّ ممكن، لذلك أتعمّد أن يكنّ حافيات. أفكّر بلحظة دخولنا البيت، حين نخلع الأحذية، ونرتاح. كذلك الأمر، حين نكون مع أصدقائنا المقربين، نجلس براحتنا، نضحك، نمزح، لا شيء يقيدنا. أحبّ أن أرسم هذه الحالة”.

الصمود بالحبّ

ترى الفنانة أنّ النساء في وقتنا الراهن، يتعايشن مع ضغوط كثيرة، ويحملن أعباء توقّعات لا تتعلّق فقط بمظهرهنّ الخارجي، في عالم لم يمنحهنّ المساواة بعد. لذلك تأخذهنّ الفنانة إلى الشاطئ، ومدينة الملاهي، إلى جلسات نميمة. تحملهنّ على الرقص، والاسترخاء في أماكنهن الحميمة. ترسمهنّ وحيدات مع قططهنّ، ولكن في أحيان كثيرة، محاطات بالصديقات.

في إحدى اللوحات بعنوان “المستحمّات”، ترسم مجموعة نساء في حمام عام، يفركن ظهور بعضهنّ، في تجسيد غير مقصود ربما لمفهوم “الأختيّة” الذي تنادي به النسويّات حول العالم اليوم. فالنساء لن يصمدن في عالم طارد، إن لم يتضامنّ معاً.

وهي ترسم نساءها محبوبات ومحتضنات، يعانقن أحباءهن. فبعكس الفهم السائد البدينات أيضاً يعرفن الحبّ.

تقول: “ان فكرت بأي امرأة تعرفينها، ستجدين أنّها تحمل همًّا ما، سواء كان في العمل أو في البيت، سواء كانت متزوجة وأم، أم تعتني بأهلها، هناك دائماً همّ في دماغها. في لوحاتي، أدعوها لكي تنفصل عن تلك الأعباء، أن تترك أولادها في البيت، وتذهب لركوب المراجيح، أن تطيّر طائرة ورق لنفسها، أن تتخلّى لبعض الوقت عن حالة التضحية والعطاء، وأن تعطي وقتاً لنفسها”.

ESRAA ZIDAN
التعليق على الصورة،المستحمات (مواد مختلفة على كانفاس – 120×160 سنتمتراً)

بدلة رقص ومايوه

تذهب إسراء إلى مناطق “محرّمة”، فنساؤها يجرؤن على ارتداء ملابس السباحة الملوّنة، وبدلات الرقص، ولا يشعرن بإلزامية إخفاء أجسادهنّ غير المتناسقة.

تقول إسراء إن موضوع بدلة الرقص على جسم بدين، جزء من تراث مصريّ. تعطي مثالاً على ذلك أجساد راقصات أفلام الأبيض والأسود، اللواتي كن يرقصن في مشاهد الأعراس، وهنّ يعتمرن الشمعدان على رؤوسهن.

أما ثوب السباحة، فذلك هو “الرعب” بالنسبة لأيّ سيدة. تقول: “تصوم شهرين قبل الصيف، من أجل الحصول على الجسد المناسب. فصل الصيف هو فصل السعادة والانطلاق، لكننا حولناه إلى مسابقة ملكات جمال”.

ESRAA ZIDAN
التعليق على الصورة،من سلسلة “لعب الورق” (مواد مختلفة على كانفاس – 120×120 سنتمتراً)

تضيف: “لقد خلقنا بأشكال وأحجام مختلفة، ولكلّ جسد جمالياته. قد لا تكون السمنة أفضل شيء في الدنيا من الناحية الصحيّة، لكنها لا يجب أن تكون سبباً لنؤجل حبّ أنفسنا. طالما أنّ الشخص منتبه لصحته، ليس هناك ما يسمّى وزن مثالي، وعرض مثالي، وقياس مثالي. لماذا نفرض شكلاً معيناً على الناس كلها؟ ألم يكن بإمكان ربنا أن يخلقنا كلنا من قالب واحد؟”.

من خلال محاولة إسعاد النساء على الكانفاس، تحقّق إسراء زيدان سعادتها الخاصة. “لا يهمّني إن أعجبت أعمالي الناس أم لم تعجبهم. كنت أفكّر بهذه الطريقة في البداية، الآن، أعرف أنّي سأواصل العمل بأسلوبي وكما يحلو لي، حتى لو لم أنل إعجاب الآخرين”.

رغم ذلك، تعترف الرسامة المصرية أنّها تشعر بفرح كبير، عندما تصل لوحاتها إلى الزبائن، فيتصلون بها لإخبارها أنّها تبدو في الحقيقة أجمل من الصور. تقول: “أحسّ كأنّ جزءاً منّي قد ذهب إليهم”.

ESRAA ZIDAN
التعليق على الصورة،”كل شوق يسكن باللقاء لا يعول عليه” (رسم رقميّ)
ESRAA ZIDAN
التعليق على الصورة،من سلسلة المسبح (مواد مختلفة على كانفاس – 30×30 سنتمتراً)
ESRAA ZIDAN
التعليق على الصورة،”هل يمكنك الرقص مثلي؟” (مواد مختلفة على كانفاس – 120×80 سنتمتراً)
الوسوم
انتخابات 2020
25 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock