أفكار ومواقف

البرامج الانتخابية والوظيفة التشريعية

على أعتاب الانتخابات النيابية للمجلس التاسع عشر وفي خضم سعي المرشحين للتأثير في توجهات الناخبين الفكرية وصولًا لكسب أصواتهم في هذا المشهد الانتخابي، لا بدّ أن نذكر السادة المرشحين بأنّ الوظيفة الأساسية لمجلس النواب هي سنّ التشريعات التي تعبّر عن ضمير الأمة وتعكس المبدأ الدستوري الثابت والأصيل بأنّ الأمة هي مصدر السلطات وهو المبدأ الذي كرسه الدستور الأردنيّ في المادة 24/1.
ولأنّ الوظيفة الأسمى والأهم لمجلس النواب هي سنّ التشريعات وإقرارها، أربعة محاور أساسية لا بدّ وأنّ تكون خريطة طريق لمن اختار أن يكون معبرًا عن إرادة الأمة وضميرها:
أولًا: ناضلت شعوب العالم حتى أصبح مبدأ الانفراد التشريعي مبدأ راسخًا وأصيلًا وضمانةً دستوريةً تحول دون قيام أيّ سلطة أخرى بمعالجة المسائل التي تدخل في اختصاص المشرع بموجب الدستور، لا بل إنّ هذا المبدأ ذاته يمنع المشرع من تفويض سلطاته إلى غيره من السلطات وبشكل خاص إلى السلطة التنفيذية إلا في حدود ضيقة ولغايات تطبيق القانون؛ احترامًا لمبدأ دستوري آخر وهو مبدأ الفصل بين السلطات.
ثانيًا: تعدّ الصّياغة التشريعيّة المُنضبطة والقائمة على أسس منهجية ورؤية واضحة الطريق المُؤدي إلى كفاية التّشريع، ومفهوميته، وبلوغيته، وتحقيقه للتّوازن بين مصلحة الجماعة وحقوق الأفراد وحرّياتهم. والصّياغة التشريعيّة بمفهومها المُتكامل لا تقتصر على إخراج النّص القانونيّ بصورته النهائيّة وإنّما تتجاوز ذلك لتشمل دراسة مدى الحاجة إلى النّص التشريعيّ، ودراسة الجدوى التشريعيّة منه، ومدى وجود ثغرات حقيقية في المنظومة القائمة على أرض الواقع تستدعي تبنّيه؛ وذلك منعاً للتّضخم التشريعيّ وما قد ينتج عنه من تضارب تشريعيّ وازدواج تشريعيّ أيضاً يؤدي إلى إضعاف الهيكل القانونيّ للدولة ويقف حائلاً أمام تحقّق العلم اليقينيّ للمُخاطبين بنصوصه.
لذلك؛ فإنّ السؤال الذي يتوجب أن يبقى حاضرًا دوما في ذهن كلّ من أخذ على عاتقه مسؤولية التشريع وارتضى أن يحمل أوزاره، هو مدى استناد سنّ القوانين أو تعديلها إلى سياسية تشريعية واضحة المعالم ابتداءً، سياسة تقود بالفعل إلى تطوير التشريعات بما يؤدي إلى تقوية النظام القانوني في الدولة وتنقيته من العيوب والشوائب وتجويده بما يضمن الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في أرجائها.
ثالثًا: نصت المادة (128/1) من الدستور الأردني لعام 1952 وتعديلاته على أنّه لا يجوز أن تؤثر القوانين التي تصدر بموجب هذا الدستور لتنظيم الحقوق والحريات على جوهر هذه الحقوق أو تمس أساسياتها، وهي مادة كانت ثمرة التعديلات التي أجريت على الدستور العام 2011م، وأهم هذه التعديلات على الإطلاق. وانطلاقا من هذه المادة وكما أكدت عليه الاجتهادات القضائية الحديثة فإنّ «الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق، أنّها سلطة تقديرية، يفاضل المشرع من خلالها بين بدائل متعددة، مرجحًا من بينها ما يراه أكفل لتحقيق المصالح المشروعة التي قصد إلى حمايتها، وأنّ كلّ تنظيم للحقوق لا يجوز أن يصل في منتهاه إلى إهدار الحقوق التي تناولها، ولا أن يرهق محتواها بقيود لا تكفل فعاليتها».
رابعًا: إنّ تنظيم مسائل الحقوق والحريات من قبل السلطة التشريعية مسألةٌ تنطوي على درجة كبيرة من الأهمية، لا بل إنّها وفي السياق التاريخي تعدّ من أهم الأسباب التي دعت إلى اختصاص البرلمان بالتشريع، ولا يتصور في ظل هذه الفكرة الدستورية الراسخة أن يتم إحالة تنظيم مسائل جوهرية بموجب التشريعات تتعلق بالحقوق والحريات للأنظمة أو التعليمات التي من المفترض أنها تأتي لوضع القانون موضع التطبيق في مسائل تفصيلية لا تعالج جوهر الحقوق أو تمس أساسياتها.
وأخيرًا، فإن البرامج الانتخابية يتوجب أن تعكس رؤية المرشح في مجال التشريع والنهوض والارتقاء به، وأن تنطوي هذه البرامج على منظومة تؤطر لإحداث نقلة في العملية التشريعية، لا أن تكون قضية التشريعات ومحوريتها غائبةً، أو على أقل تقدير، حدثا عابرا في البرامج الانتخابية، وبندا تتم الإشارة إليه من باب استكمال الأطر الشكلية لهذه البرامج.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock