;
أفكار ومواقف

البرلمان العربي

على موقع جامعة الدول العربية على شبكة الانترنت تطالعنا العبارة التالية: “بحلول نهاية الألفية أتمت الجامعة العربية خمسة وخمسين عاماً على نشأتها التى تؤرخ لنشأة النظام الإقليمي العربي وتطبعه بالسمة المتفردة التى ميزته ثم لازمته: السمة القومية، واتسعت عضويتها من سبع دول عربية هي جملة الدول العربية المستقلة فى أوساط الأربعينيات لتشمل اثنتين وعشرين دولة عربية هي مجموع الدول الأعضاء فى النظام الإقليمي العربي. واجتازت عدة مراحل تطور وعاصرت محاولات مختلفة لإعادة الهيكلة هى مراحل ومحاولات عاكسة لجهود تحديث النظام الإقليمي العربى نفسه”.


 وتستحق هذه العبارة التوقف اليوم بمناسبة الحديث عن إنشاء “البرلمان العربي الانتقالي” كخطوة أولى نحو إنشاء برلمان عربي دائم؛ فطالما أن الجامعة ونتاجها هي مجموع ومحصلة توجهات وأفعال أعضائها من الدول العربية، وأن الجامعة هي مرآة واقع النظام العربي والعكس صحيح، فهل يمكن لنا اعتبار إنشاء هذا البرلمان خطوة إصلاحية تحديثية للنظام الإقليمي العربي، وبالتالي لجامعة الدول العربية باعتبار البرلمان أحد المؤسسات العاملة في إطارها؟


بالنظر إلى الصلاحيات السبع الممنوحة للبرلمان العربي، والتي تتراوح بين المناقشة والبحث وتصل ذروتها ومنتهاها بإصدار توصيات “تؤخذ في الاعتبار”، يبدو من الممكن الحكم على مدى الإصلاح والتحديث الذي تضيفه هذه المؤسسة للنظام الإقليمي العربي معبرا عنه بجامعة الدول العربية، بحيث لا تعدو أن تكون إضافة هذه المؤسسة العربية نوعا من إظهار التضامن العربي الشكلي، لكن إنما المنطوي في ذات الوقت على مفارقة خطيرة.  


فإنشاء برلمان عربي في هذه المرحلة بالذات، في زمن تشتد فيه المطالب الإصلاحية على امتداد الوطن العربي، كما من خارجه، ومشاركة جميع الدول العربية بلا استثناء في هذه المؤسسة، كل ذلك يكشف بما لا لبس فيه عن إقرار عربي رسمي بالديمقراطية، وضمنها التمثيل الشعبي، كقيمة عليا وطنية بقدر ما هي عالمية؛ وأن هذه الديمقراطية هي أحد أهم مداخل الإصلاح والتطوير، وهو ما عبر عنه الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، في كلمته الافتتاحية لأعمال المؤتمر، باعتباره أن إنشاء البرلمان هو مؤشر على أن “التطور الديمقراطي في الوطن العربي قد انطلق وان هذا الوطن بتراثه الحضاري الهائل، ومقوماته الفكرية الحاضرة، وتقاليده الاجتماعية الرصينة قادر على التحمل بالمسؤوليات التي تطرحها الأوضاع الدولية الجديدة وكذلك تلك التي تطرحها العولمة”. لكن عند هذه النقطة يبدو من الممكن وصف الإنجاز العربي الجديد بعبارة “إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة، وإن كنت تدري فالمصيبة اعظم”!


فالسؤال الأول والمنطقي الذي طرح ويطرح مع إنشاء البرلمان العربي هو: كيف كان من الممكن تشكيل برلمان عربي موحد بين بلدان يعاني جزء غير يسير منها من غياب البرلمانات تماما، وتتأرجح بين وعود بانتخابات برلمانية في المستقبل غير المحدد، وبين صمت مطبق تجاه ما يجري في العالم وكأنه أمر لا يخصها على الإطلاق. هذا بالإضافة إلى “البرلمانات الثورية” التي تعين بالانتخاب المحسوم النتائج سلفا، وبما لا يخرج عن دائرة الحزب الأوحد الحاكم.


ومن ثم، فإذا كانت الجامعة العربية تعتقد أن البرلمان العربي هو خطوة إصلاحية، فإنها قد وضعت العربة في الحقيقة أمام الحصان؛ إذ كان من الأولى، بل ومتطلب سابق لإنشاء البرلمان العربي، أن تبادر البلدان العربية -وتحديدا تلك التي لا تمتلك برلمانات أصلا أو ذات البرلمانات الثورية – أن تبادر إلى خلق هذه المؤسسة على المستوى الوطني قبل تأسيس ذلك على المستوى القومي؛ أم أن البعض في عالمنا العربي، سواء أكانوا في السلطة أو مؤسسات المجتمع المدني، بات يقفز إلى الشعار القومي الذي يلامس المشاعر ليس إلا ليهرب من ميدان العمل الحقيقي الذي لا يكون إلا على المستوى الوطني، ولا يتعارض معه بالضروة وإنما يكمله؟!


نربأ بالجامعة وأمينها العام أن لا يكونا قد أخذا كل تلك الاسئلة بعين الاعتبار، ليظهر هنا السؤال الآخر، وما هو الهدف من إضافة مؤسسة جديدة معطلة سلفا إلى مؤسسة أُمّ تكاد تكون مشلولة منذ أمد طويل؟!


إن النظر إلى سجل إنجازات جامعة الدول العربية منذ إنشائها في العام 1945 وحتى الآن ربما يعطي مشروعية لسؤال البعض حول جدوى استمرار جامعة الدول العربية؟ لكن في زمن التكتلات العالمية، كما التشظيات والانفجارات العالمية، وفي منطقة تبدو – شاءت أم ابت، وبما يشبه القدر- مترابطة جغرافيا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا، يمكن القول إننا اليوم في أمس الحاجة إلى الجامعة، وربما بدرجة لم نعهدها من قبل، لكن الوجود المطلوب هو الوجود الفعال على مستوى القاعدة وليس على مستوى النخبة المنفصلة عن شعوبها. فكما أن التحديات التي تواجهنا في الوطن العربي هي قومية في امتداداتها بحكم الترابط السابق، فإن جامعة الدول العربية قد تكون خط الدفاع القومي (بالمعنى الجغرافي وليس الايديولوجي) الأول في مواجهة تلك التحديات، وتبقى العقدة في ترتيب الأولويات.


فبدلا عن البرلمان العربي، ألم يكن من الانسب ومن اولوية الأولويات على الصعيد الوطني، ولإلغاء ذريعة يستخدمها الخارج ضد بلداننا جميعا، تفعيل ميثاق حقوق الإنسان العربي، والعمل على إنشاء حقوق إنسان عربية، وغير ذلك من مظاهر الإصلاح ومتطلباته التي تتعدى نتائجها الإيجابية السياسي إلى الاجتماعي والثقافي والاقتصادي؟


[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock