أفكار ومواقف

البشرية ودروس في اختراق علمي جديد

خالد دلال

إنه وبالفعل اختراق علمي غير مسبوق في تاريخ البشرية، ما قدمه مؤخرا تلسكوب جيمس ويب التابع لوكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، من صور بديعة ساحرة، بالأشعة تحت الحمراء، لسبر أغوار الكون السحيق، الذي لطالما شكلت أسراره مصدر فضول البشر بما منحهم الله من عقل وفكر وتأويل ميزهم بها عن سائر مخلوقاته على الأرض. وفي هذا تصديق لقول البارئ: “إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ”.

الحدث عظيم بكل ما تحمل الكلمة من معنى، رغم أنه لم يسلم من سخرية البعض في عالمنا العربي وعلى مواقع التواصل الاجتماعي تحديدا، وحالهم في هذا حال من اتخذ من اللهو والعبث واللامبالاة نهجا في الحياة للأسف.

ما قدمه تلسكوب جيمس يشرع الباب على مصراعيه لفهم خصائص الكون، الذي لا تشكل الأرض أو مجموعتنا الشمسية فيه مقدار حبة رمل مقارنة بكل رمال الكوكب الأزرق. وقد يكون الأمر أقل من ذلك بكثير كثير.

ولنتمعن فيما يقدمه الحدث من تساؤلات ودروس. ومنها أن الإنجاز يحتاج، أكثر من مجرد المال، إلى المثابرة والصبر، وهذه فعلا إحدى العبر المهمة حيث تطلب بناء تلسكوب جيمس ويب الفضائي، وبحسب شبكة بي بي سي الإخبارية البريطانية، “30 عاما و10 مليارات دولار، ليصل اليوم إلى بعد بحوالي 1.5 مليون كيلومتر من الأرض”. تفشل أغلب المشاريع الكبرى في عالمنا العربي، رغم توفر المال في كثير من الأحيان، لافتقادها التصميم والمثابرة على إكمال الإنجاز. ولعل ما حققه التلسكوب يشكل حافزا.

ومنها أن التلسكوب يشكل آلة زمن حقيقية بمعنى أن أضواء آلاف المجرات التي التقطها تعود إلى بلايين السنين الضوئية في الماضي، وهذا بحد ذاته سيسهم في فهم أسرار تشكل المجرات والكثير من الظواهر العلمية، ومنها مثلا أصل العناصر الكيميائية التي تشكلت منها المجرات. فالتلسكوب لديه القدرة على تشريح المجرات والأجسام لفهم أسرارها العميقة.

ومنها أن التلسكوب قد يكون قادرا في المستقبل على إجابة أحد أهم الأسئلة التي طالما حيرت العقل البشري، وهي: هل نحن، كمخلوقات ذكية وحدنا في هذا الكون الشاسع؟

ومنها، أنه ومع ازدياد الحديث عن التغير المناخي ومصائبه على الأرض، قد يقدم تلسكوب جيمس قريبا صورا لكواكب قد تكون صالحة للحياة. فالتلسكوب مصمم “للكشف عن الكواكب التي تدور حول نجوم غير الشمس”. إلا أن المعضلة هنا ستكمن، حتى وإن نجح الأمر، في مسافات الكون الضوئية المهولة لوصول البشر فعلا إلى هذه الكواكب إن وجدت.

هذا غيض من فيض لما يمكن لتلسكوب جيمس تحقيقه فهو حقا بمثابة مفتاح لمناجم الكون، إلا أن أهم درس نتعلمه هو ما قدمه التلسكوب من دلائل لا لبس فيها على عظمة الخالق، سبحانه وتعالى، والتي يمكن تلخيص بعضها في قوله، عز وجل: “أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ. إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ”.

ومع كل ما تقدم، تبقى البشرية عاجزة عن فهم ملايين الظواهر الكونية، ومنها مثلا طبيعة المادة المظلمة، والتي تشكل هي والطاقة المظلمة نحو 95 بالمائة من المحتوى الكلي للكون. وهذا دليل آخر على عظمة الخلق نتركه لأصحاب الاختصاص للخوض فيه.

ويبقى السؤال بعد كل ذلك: هل ستسهم أجيالنا العربية، حاضرا ومستقبلا، كما كنا ماضيا، في بناء الحضارة الإنسانية، أم هل ستستمر في لعب دور المتفرج على الأحداث لا صناعتها؟

المقال السابق للكاتب 

الصين و70 مليار شجرة

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock