أفكار ومواقف

البطالة والتسول.. والمقولات السخيفة!

على مواقع التواصل المختلفة، كثيرا ما يطالعنا أحدهم بعبارة أصبحت مشهورة بين الأردنيين، وبات كثير منهم يرددها كالببغاوات من دون أن يفكر ولو للحظة بالمغزى خلفها.
العبارة تقول: “الغريب في مطاعم الأردن: الكاشير مصري، والعامل سوري.. أما الشحاد على باب المطعم فهو أردني”.
مؤخرا، وعلى إحدى مجموعات فيسبوك، أورد أحدهم هذه العبارة السمجة، فانهالت التعليقات التي تحط من قدر الأردني، وترميه بجميع أنواع التهم، خصوصا من نوع أنه اتكالي، ويريد “اللقمة للثم”، أو أنه كسول ولا يريد أن يقوم بأي عمل، وغيرها من الصفات التي لا تعبر عن حقيقة الأردنيين.
منذ عقود، ومنذ أن استقالت الدولة من عملها الحقيقي في العمل على رفع نسب النمو، وتخليق فرص عمل لآلاف الخريجين سنويا، ومنذ أن باتت عاجزة عن تحقيق منجز واحد فقط في هذا السياق، لجأت إلى تسويق مقولة “ثقافة العيب”، وأفهمتنا بأنها تعمل على تجاوز هذه الثقافة!
في الحقيقة، ثقافة العيب هذه هي مجرد “شماعة” تعلق عليها الحكومات المتعاقبة أسباب فشلها وعجزها عن تأمين فرص عمل لائقة وعادلة للأردنيين.
وإذا كانت المقولة صحيحة بأن المتسولين على باب المحال التجارية هم من الأردنيين، بينما يعمل الوافدون في داخلها، فإننا يمكن أن ننظر إلى الأمر من زاوية أخرى كذلك؛ فصاحب العمل يفضل تشغيل الوافد لأسباب كثيرة، من بينها أن بإمكانه التجاوز عن كثير من حقوقه، سواء في الحد الأدنى من الأجور أو ساعات العمل والإجازات السنوية والأسبوعية، وصولا إلى عدم منحه حقوقا في الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي.
في مقابل هذا الشره والانتهازية وهضم الحقوق، غالبا ما يسوق أصحاب العمل بأن “الأردنيين مش تاعين شغل”!، ويبدو أنها مقولة قادرة حتى اليوم على أن تعفيهم من التزاماتهم الوطنية تجاه مواطنيهم، ما يحقق لهم مزيدا من الثروات والأرصدة البنكية على حساب ابن بلدهم، وبما يؤدي إلى تعزيز التشوهات القائمة في سوق العمل المحلية، والتي لا يجدون حكومات جادة لمعالجة الاختلالات الجوهرية فيها.
الاختلالات في سوق العمل تتبدى واضحة بالنسب والأرقام الصريحة، فحين تكون نسبة البطالة 18.5 %، بمجموع عاطلين عن العمل يتجاوز 300 ألف مواطن، وحين يكون هناك مليون عامل وافد بحسب أرقام حكومية، بينما تقديرات أخرى ترفع الرقم إلى 1.5 مليون عامل في سوق عمل صغيرة مثل الأردن، حينها سندرك أن هناك تعاميا حكوميا عن أصل المشكلة، وعدم تفكير جدي بوضع حلول علمية وعملية لها.
ورغم تعويل الحكومات كثيرا على حوالات الأردنيين العاملين في الخارج، والتي تصل إلى زهاء 2.6 مليار دينار سنويا، إلا أنها لا تقول لنا، مثلا، إن العاملين الوافدين يحولون ما مجموعه 1.8 مليار دينار من داخل الأردن، وهي بذلك تلغي أي فائدة مرجوة لهذه الحوالات في تحقيق النمو المطلوب القادر على تنشيط السوق المحلية، وتخليق فرص عمل جديدة.
ورغم هذه الاختلالات الواضحة، ما يزال القطاع الخاص يضغط على الحكومة من أجل فتح الباب لمزيد من الاستقدام للعمالة الوافدة!
وثمة اختلال أكثر وضوحا، وهو أن الحكومات المتتالية لم تعمد بعد إلى إصلاح التعليم لجعل مخرجاته متوافقة مع سوق العمل، خصوصا مجالات العمل الجديدة التي ظهرت خلال الألفية الجديدة، وما يزال التعليم المهني والتقني غائبا ومعطلا، بسبب التوسع الكبير في التعليم الأكاديمي الذي تتحمل الحكومات المتعاقبة مسؤوليته.
نعم، يبدو أن المقولة، على سخافتها، ستكون صحيحة بالنظر إلى الظروف الموضوعية التي يعيشها الأردني اليوم في بلده، بل ربما أن أعداد المتسولين أمام المحال التجارية مرشحة للارتفاع، فنحن لا نملك حكومات تضع استراتيجيات لخدمة مواطنيها.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock