أفكار ومواقف

البطالة والشباب وسياسات حكومية

ما تزال الحكومة تصرّ على المضي قدمًا في سياسات اقتصادية “انكماشية”، عقيمة، غير مدروسة، لا بل ومتخبطة، والتي أصبحت نتائجها تؤثر سلبًا على مسار التحولات التي يمر بها المجتمع الأردني، والتي أصبحت تشكل “معيقًا” أو “تحديًا” أمام مسار تطوره.
بسبب تلك السياسات الاقتصادية، التي أقل ما يُقال عنها بأنها خاطئة، ما تزال فئة الشباب، والتي تُشكل أكثر من ثلثي المجتمع الأردني، تُعاني من معيقات في مجال العمل، ساهمت بارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، بلغت حسب الأرقام الحكومية الرسمية نحو 18.5 بالمائة، في حين تشير مؤسسات ومنظمات مستقلة إلى أنها تجاوزت الـ38 بالمائة.
لا يشك أحد، بأن السياسات الاقتصادية التي طبقت خلال الأعوام الماضية، ساهمت وبشكل كبير بتقليل الخيارات المستقبلية للشباب، فيما يتعلق بالحصول على فرصة عمل.. وما يدل على “خطأ” أو “تخبط” تلك السياسات، ارتفاع المديونية خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي إلى أكثر من 29.5 مليار دينار، أي ما نسبته 4.2 بالمائة مقارنة مع حجمها نهاية العام الماضي.
وحتى عندما يحصل الشاب على فرصة عمل، فإنه يصطدم بواقع مرير، يتمثل بعدم توفر بيئة وشروط عمل لائقة، ناهيك عن الأمر الأساسي وهو الانخفاض الملموس في مستويات الأجور، حيث يتقاضى أجرة شهرية لا تكاد تكفي لسداد حاجيات شخصية.. وما يؤكد ذلك أن أرقام المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي للعام الماضي تُفيد بأن نحو 45 بالمائة من العاملين المسجلين لديها تبلغ أجورهم الشهرية 400 دينار فما دون.
ما يدعو للسخرية والبكاء في الوقت نفسه، هو أن الحكومة تتباهى بأعلى ما عندها من أصوات بأنها أقرت الحد الأدنى للأجور، والبالغ 220 دينارا شهريًا، وألزمت به المؤسسات والشركات الخاصة!!!… مع أن الحكومة تقر بأن مؤشر خط الفقر يبلغ 100 دينار للفرد شهريًا، أي بمعنى ثان، فإن خط الفقر للأسرة المعيارية البالغة خمسة أفراد 500 دينار شهريًا.
عندما يصل معدل البطالة بين الشباب الأردني إلى 38 بالمائة، حيث تُعتبر هذه النسبة إذا ما قورنت بأغلب دول العالم بأنها مستويات قياسية.. فذلك دليل بيّنٌ على أن سياسات الحكومة الاقتصادية “خاطئة”، أو أنها أصبحت “عقيمة” في إيجاد حل لهذه المشكلة.
وما يزيد “الطين بلة” هو ارتباط ذلك، مع ضعف في قدرات الشباب المعرفية والمهاراتية.. وطبعًا سبب ذلك أصلًا ضعف النظام التعليمي، والفجوة بين التخصصات الجامعية وحاجات سوق العمل، فضلًا عن “قلة” الفرص في القطاع الخاص، الذي أصبح يبحث عن بيئة مناسبة وأفضل له، للهروب إليها، جراء زيادة الضرائب وعددها، حيث يوجد بالأردن ما يقرب من الـ180 ضريبة.
لا يستطيع أحد أن ينكر، ولا حتى الحكومة نفسها، بأن موضوع الشباب وإيجاد فرص عمل لهم والقضاء على مشكلة البطالة تأتي في آخر سلم أولويات الحكومات، ومنها حكومة النهضة الحالية.
دائرة الإحصاءات العامة تؤكد في تقريرها للربع الأول من العام الحالي، بأن معدلات البطالة تبلغ 48.7 بالمائة و38.5 بالمائة، للفئتين العمريتين (15-19) عاما، و(20-24) عاماً على التوالي، هذا طبعًا باستثناء الجالسين على مقاعد الدراسة.. هذه الأرقام دليل على أن نسبة البطالة بين الشباب الأردني هي من أعلى النسب عالميًا.
مرة ثانية، نؤكد أن “تخبط” و”عقم” السياسات الاقتصادية، ساهمت وبشكل ممنهج على تدمير أو إضعاف منشآت القطاع الخاص، والتي أصبحت غير قادرة على توليد فرص عمل جديدة.
كما أن وزارة العمل يقع على عاتقها مسؤولية كبيرة بشأن ذلك، إذ أنها بكل ما تمتلك من أجهزة وأدوات وقوة قانون، إلا أنها غير قادرة على إدارة وتنظيم سوق العمل.. وإلا فماذا يعني وجود مليون عامل وافد، ثلثهم فقط يحمل تصاريح عمل رسمية؟!.
يتوجب على الحكومة عدم التسمك بسياساتها الاقتصادية الحالية، التي أثبتت النتائج “عقمها”، والبحث عن بدائل جديدة بالتنسيق مع خبراء اقتصاديين، مشهود لهم بالكفاءة والإخلاص والانتماء، يكونون قادرين على تطوير سياسيات تساعد أو تسهم بخلق فرص عمل والقضاء على مشكلة البطالة أو على الأقل تقليص نسبها.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock