الغد الاردنيتحليل إخباري

البطاينة يكتب: ما هي أحزاب المستقبل التي نريد؟

نضال البطاينة

في مقالةٍ سابقة والتي كانت بعنوان: «قراءة في ماضينا وحاضرنا الحزبي»، تطرقتُ لواقع حياتنا الحزبية بالماضي والحاضر، وقد خلصت المقالة المشار اليها – ومن باب الربط مع هذه المقالة- إلى أنَّ الأحزاب الأردنية «الأيدولوجية» والعقائدية والشمولية القديمة، قد فقدت مشروعيتها السياسية بالنظر إلى ظروفنا الحالية وطبيعة تركيبة تلك الأحزاب. فقد كانت هناك أحزاب ليست «وليدة» صناعة أردنية، فقد اشتركت مع شقيقاتها في دول اخرى فكرياً ومن حيث الثوابت والمرجعية، ولكنها لم تُعطَ المساحة الكافية هنا ليكتمل ظهورها.
فقد خلت الساحة حينذاك لحزبٍ واحدٍ فقط، استطاع خلال تلك الفترة بأن يكون الأكثر تنظيماً وتشبيكاً مع المجتمع (كونه كان منفرداً) ولكن على طريقته الخاصة، ويؤخذ عليه أنه لمْ يستطع وضع وتطوير سياسات وبرامج قابلة للتطبيق في كافة مناحي الحياة.
فنحن نحتاج إلى سياسات وبرامج إصلاحية اقتصادية واجتماعية وإدارية إلى جانب البرامج السياسية.
وجاءَ في المقالة السابق ذكرها من باب النصح بأن تتم الاستفادة من جميع التجارب، وعدم محاولة إبعاد أيّ منها، لأنَّ كلّ تجربة لها ما لها وعليها ما عليها، فمن الممكن أن نعمل على استبعاد السلبيات، وتعظيم الإيجابيات في تجاربنا المقبلة.
أمَّا بالنسبةِ للأحزاب الحالية الأخرى، والتي قاربت على الـخمسين أو الستين، فإنهُ يؤخذ على بعضها أنها أحزاب «أشخاص»، فقيادتها غير «جمعيَّة»، كما يؤخذ عليها عدم وجود سياسات وبرامج قابلة للتطبيق، فهي أقرب لتجمع بينَ أشخاص يجمعهم تقارب فكري أو شخصي، وهذا آخر ما نحتاجه.
إنّ بعض هذه الأحزاب إن لمْ تُصوب أوضاعها، وإن لمْ تضع رؤى وأهدافا وسياسات واضحة وبرامج قابلة للتطبيق في كافة مجالات الحياة فستصبح جزءًا من تراث بائد، وستكون غير صالحة للاستهلاك السياسي، وعليها أن تحل نفسها أو تندمج إن لمْ تصوب هذه الأوضاع.
إنَّ التطوير والتقدم وإصلاح السياسة الأردنية والثورة الاقتصادية والمجتمعية والمؤسسية (الإدارية) تحتاج إلى نهضة ووثبة حزبية جديدة، ما أعنيه من تصويب لوضع هذه الأحزاب ليس مجرد تصويب أوضاعها وفقاً للقانون الجديد، فهذا التصويب هو إجرائي، ولكن ما تحتاجه هذه الأحزاب هو أن تُصوب أسلوبها وأهدافها، وقد تضطر لمراجعة مبادئها وديناميكية وطريقة عملها، وهياكلها وبُنيتها الداخلية، لتُنتج سياسات وبرامج قابلة للتطبيق، بحيث يمكن الاستفادة منها في جميع مناحي الحياة.
وعلى الصعيد الشخصي فأنا من مدرسة «أنَّ بناء البيت الجديد مكان القديم المتهالك بدلاً من ترميمه هو الحل الأنجع»، فمهما حاولتَ أن ترمم، فالوصول إلى أساسات البناء والتغيير بها هو موضوع أشبه بالمستحيل.
أحاول من خلال مقالتي السابقة – التي أشرت إليها في المقدمة- ومقالتي هذه ومقالاتي المقبلة أن أبني نوعا من «السردية» وصولاً لسلسلة مُتكاملة، تقودني ومن يقرأ لي إلى ماهية وشكل وجوهر الأحزاب التي نريد، وذلك من خلال الإجابات على أسئلة تدور في ذهن كلّ مواطن في هذه المرحلة.
هذا ومن الجدير بالذكر أنَّهُ ليسَ بوسعي هُنا أن أطرح أُنموذجاً حزبياً جاهزاً، ولا أن أجزم بأنَّ الوصفة التي سأطرحها هي وصفةٌ مُطلقة، إنما هيَ عبارة عن تَصَوُّر لوجهة نظر قابلة للنقاش والمراجعة.
برأيي، فإنَّ الأسئلة المطروحة حالياً على الساحة هيَ:
كيف سنقنع الشباب بالعمل الحزبي وهم ينظرون إلى ماضينا وواقعنا حزبيا؟ وذلك بعد أن ظهرت نتائج استطلاعات الرأي هنا وهناك مؤخراً، وما هو عمق التوعية بالعمل الحزبي الذي نحتاج؟ وكم سنحتاج من الوقت؟ وما هي مواصفات أحزاب المستقبل؟ وكيف يستطيع المواطن اختيار الحزب الذي يمثله؟
بلا شك فإنَّ « الحزبية» هيَ طريقنا الوحيد، وبالنسبة للمشكك بذلك فإنني أقول: ما هو البديل؟ هل نبقى ندور في ذات الحلقة المفرغة: ( مجالس نواب مشكك بتمثيلها بالنظر إلى نسب الاقتراع، إلى جانب الأداء؟ وحكومة تذهب وحكومة تأتي دون برنامج جاهز وقابل للتطبيق من اليوم الأول؟، والاكتفاء بالاختفاء وراء خطاب التكليف السامي؟ وغياب تراكمية وتكاملية العمل بين الحكومات المتعاقبة؟)
نَخلُص إلى أنَّ ما نحتاجه هو أحزاب سياسية برامجية، تُركز على الاقتصاد بالدرجة الأولى، بالتوازي مع الإصلاح الإداري والاجتماعي المطلوب، ومواصلة العمل على الإصلاح السياسي.
إنَّ أول ما يحتاجه الحزب أو فكرة الحزب هو المبادئ الأساسية، قبل الدخول في السياسات والبرامج أو أي شيء آخر.
إنَّ مبادئ الحزب هي بمثابة الأصول الثابتة، غير قابلة للتغيير والتبديل حال اعتمادها، ولا يجوز أن تخالفها أيّ من السياسات والبرامج لاحقا، فهذه المبادئ هي أشبه بأرضية تجمع أُطر الحزب وكوادره..، فمتى اتفق الأعضاء من قطاع خاص وخبرات حكومية وأكاديميين على هذه المبادئ الأساسية، أصبح وضع السياسات والبرامج موضوعا إجرائيا وعلميا بحتا (غير سياسي) تنتجه جلسات العصف الذهني والتحليل وتحديد أماكن الخلل والمقارنات المعيارية مع أفضل الممارسات ووضع «السيناريوهات» وغير ذلك.
إنَّ الجوهر السياسي لأحزاب المستقبل هو الانطلاق من مبادئ مدنية وديمقراطية – المدنية بمعيارنا الوطني وليس المستورد وتعني: «الاحتكام إلى القانون وصون الحريات وعدم فرض الوصاية على المجتمع، إلاَّ وفق الدستور والقانون». ويجب أن تتحرر أحزاب المستقبل من» الفردية» و»الفاشستية»، وسيطرة الاقلية.
وبرأيي أنَّ حزب المستقبل الذي تقل نسبة منتسبيه من الشباب عن الـ70 % سوف يواجه صعوبات لعدم مراعاته لتركيبة مجتمعنا «الديموغرافية» واحتياجات الشباب وتمكينهم.
فبالرغم من اتفاقنا جميعاً في ظل القيادة الهاشمية بشكل واضح لا لُبس فيه بأنَّ «الأردني هو كل من يحمل الرقم الوطني»، وبأنَّ الدستور الأردني قد ساوى بين الأردنيين جميعا، فهنا انتهينا من موضوع الحديث عن الهوية وتبقى سياساتنا وبرامجنا هي القادرة على أن تثبت كل ذلك.
إلاَّ أنَّ حزب المستقبل يجب أن يعكس «ديموغرافيا الأردن» بشكل دقيق ومدروس، من حيث العُمر والنوع الاجتماعي والأصول وغير ذلك.
وهنا أنصح القائمين على مشاريع أحزاب جديدة باستقطاب القيادات الشبابية والشباب بدلاً من النُخَب السياسية.
في مقالتي المقبلة سوف أتطرق – من وجهة نظري- إلى ماهية الحدّ الأدنى منَ المبادئ الأساسية التي يجب أن تتوافر بأحزاب المستقبل في ظل ظروفنا الراهنة.
حمى الله الأردن أرضا وشعبا وقيادة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock