أفكار ومواقف

“البطل الشهيد”

نبكي الشهيد دَمعاً سخيّاً، ولكن تؤرقنا محاولة البعض حصره في زواياهم.
يخبِرني صديق اسكتلندي أنَّ “مفهوم الشهادة لديكم مختلف”. فالشهيد عندهم (برأيه)، يجب أن يكون قد مات وهو يدرك أنّه ذاهب للموت؛ مقرراً التضحية بذاته لأجل المجموع، أو لأجل قضية يؤمن بها. وبرأيه أنّه في الثقافة العربية، يبدو أنّ الموت على يد الأعداء كافٍ لجعل الشخص هو “الشهيد البطل”.
يبدو أنّ كثيرا من الفصائل والجماعات وأصحاب الصوت المرتفع من قادة المسيرات والمظاهرات والخطابات، باتوا يشاطرون الصديق الاسكتلندي الرأي، فيُصرّون على “عسكرة” الشهيد، وتحويله إلى عضو في الفصيل.
يقتبس عبدالرحيم الشيخ، في دراسته “تحولات البطولة في الخطاب الثقافي الفلسطيني”، والتي نُشرت في آخر عددين صدرا من مجلة الدراسات الفلسطينية، عبارة من مسرحية “حيلة غاليليو”، للألماني برتولد بريخت، قالها غاليليو غاليلي العام 1633 في روما. إذ يخاطبه تلميذٌ له بقوله: “تعيسٌ هو البلد الذي ليس فيه أبطال”. فيرد غاليليو: “كلا، تعيس البلد الذي يحتاج إلى أبطال”.
يمكن تفسير حديث غاليليو بأنّ البلد الذي يحتاج إلى أبطال هو، بالضرورة، بلد في محنة، يحتاج التضحيات والألم. أو أنّ سعي البعض للبطولة يرافقه اصطناع معارك عبثية.
لكن الشيخ يأخذ من محمود درويش أيضاً مقولته العام 1999، في رام الله، أنّ البطل شخص مرّ في تحولات ثم “لم يَعُد البطل شبقاً لأن يبقى بطلاً، ولا يريد أن يتمتع بمكانة الضحية، يريد أن يتحول إلى إنسان عادي”.
يستشهد شاب فلسطيني ممتشقا سلاحاً يقاتل، ويستشهد شاب جاء أعزل يحمل جثمان الشهيد، ويستشهد شاب من نفس الحي أو المخيّم وهو ذاهب لمكان عمله. وتتسابق الفصائل لإعلان انتمائهم لها، ويتقاسمونهم، ويعلنونهم أفراداً في أجنحتها المسلّحة. يقول الشيخ: إنّ بريخت أراد اجتماع مبررات البطولة ومبررات نفيها في اللحظة التاريخية ذاتها.
هناك، كما يقول الشيخ، من يسعى “للبطولة التراجيدية”، أي القائمة على الحدث الصاخب والدامي والمؤلم، مقابل بطولة “الإنسان العادي”، وهو بالضرورة ليس الإنسان المستكين أو “المُسالِم”، بالمعنى السلبي، وليس الذي يتجه للحياة من دون حلم وخيال، ومن دون أن تكون الحرية والقدرة على الحلم والتخيل هما خبزه اليومي.
البطل لغة، كما “يتلمّس” الشيخ، متصل مع مفهوم “الإِبطال”، وربما هو إِبطال حياة الاحتلال غير الطبيعية، من دون أن يعني هذا تجاهل وجود الاحتلال.
في الموروث الإسلامي يكون الشهيد شهيداً أحياناً في سعيه للرزق، وسعيه للعلم، ومن يرفض الخروج والإخراج من أرضه وبيته.
إذا كان الشهيد ذاهباً لعمله رغم الاحتلال، وساعياً له فهو شهيد قاتل دون حياته، ولا داعي للقول إنّه كان في مهمة نضالية، إلا إذا كان العمل هو بالضرورة مهمة نضالية.
قبل الحركة التي أطلقها محمود درويش نهاية التسعينيات، واعياً لما يفعل أو غير واعٍ، بشأن مفهوم البطل، والتي يتتبعها الشيخ في دراسته، تحدثت سلمى الخضراء الجيوسي، في نهاية الستينيات، عن “بطولة الصوت الخفيض”؛ لأولئك الذين يمارسون أنواع بطولة تتكامل مع البندقية، وقد تختلف عنها، والحرية والسعي لها، بشتى الطرق.
شُبّان الناصرة ورام الله، الذين ابتكروا في السنوات الأخيرة شعارا يهتفونه في احتفالاتهم، بما فيها احتفالات رأس السنة الميلادية، وهو “نعيش وتحيا فلسطين”، هم أنفسهم الذين يغنون في الاحتفال عينه للكفاح المسلّح والبندقية، ويسخرون من المفاوضات المزمنة.
وأنا أقابله في مخيم “بلاطة”، لم أعد أسمع كلماته متحدثّاً عن شقيقه، أحد أبطال الكفاح المسلّح القابع في الأسر محكوما بمئات السنوات، بل سرحتُ في توترات جبينه وصوته، وهو يروي بصوت خفيض ما حدث للعائلة، ويروي من دون شعوره بأنّه فعل شيئا غير عادي، كيف قاد إعادة بناء البيت، وهو يُخفي ما فَعَلَه ليجعل حياة الآخرين طبيعية. وكلما تذكرت البطل في المعتقل، تذكّرت هذا البطل المتوتر، الذي يَكبح دمعته.
عندما يستشهد شابٌ جميل وسيم مبتسم، طالب جامعة استحم وتَوضّأ وصّلى، ومشى لإطعام خِراف العائلة، وكان يحلم بالحرية والوطن، فهو “الشهيد البطل”، من دون الحاجة إلى “عسكرته”. والشهيد يا صديقي الاسكتلندي العزيز هو أيضاً من يستشهد ذاهباً للحياة فوق أرضه، حيث يجب أن يبقى بإصرارٍ حد الموت.

 

ajazem@

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. رواية البطولة الفلسطينة رواية حياة وأمل
    روايات البطولة والشهادة الفلسطينية كثيرة ومتنوعة في ظروفها وشخوصها ودراميتها ومعانيها، ومستمرة.
    شهداء فدائيون كتب عنهم د. شفيق الغبرا في كتابه "حياة غير آمنة". شهداء شبان المقاومة اللاعنفية في الانتفاضتين الأولى والثانية. شهداء ديبلوماسيون مثل نعيم خضر الذي أغتيل في بروكسل. شهيدات الحركة النسائية الفلسطينية، وشهداء الطلبة والعمال. شهداء أطباء وممرضين يعملون في الهلال الأحمر الفلسطيني.
    وعندما تتمعن في تفاصيل قصص البطولة والشهادة تجد الشاعر والكاتب والمهندس والتاجر والطالب والصحفي والأكاديمي والاعلامي والطبيب ورجل الدين والمفكر وراعي الغنم والمزارع… قصة البطولة الفلسطينية أوسع من الفصائل وأوسع من فلسطين، بل أوسع من الكون.
    رواية البطولة الفلسطينية لا تستحق هذا الانقسام السخيف ومن يقف وراء ذلك الانقسام من قيادات سخيفة جبانة تحكمها عقلية الاقصاء والتخوين والتكفير ولا تشبه الوجه الحضاري لنضال الشعب الفلسطيني وبطولاته.

  2. الشهيد
    الشهيد من دافع عن ارضه فهو شهيد من دافع عن ماله فهو شهيد من دافع عن دينه فهو شهيد فنحن الان ندافع عن امولنا من السارقين وعن ديننا الذي يفصلونه علي هواهم وعن مستقبل اولادنا الذي اصبح في المجهول

  3. معاني الشهادة
    ان اعلى وارفع وسام لمعنى ومفهوم الشهادة والاستشهاد لمن يقاتل ويقتل عند مواجهة العدو المحتل للأرض وجها لوجه ، رغم ان هناك انواع متعددة من الشهادة والاستشهاد لمن يقتل عند الدفاع عن دينه وعرضه وأرضه وماله .

  4. الشهاده لاتقتصر على المسلم فقط
    مقال رائع عن مفهوم الشهاده ولكن اضافه لما ذكر نجد ان الشهاده لاتقتصر علينا نحن المسلمين نذكر البطل جول جمال الذي استشهد 1956 فداء للعروبه وهو مسيحي وهل ننسى ابطال (الكاكيماز )اليابانيين في استشهادهم ضد الاميركان 1945 الشهاده اعلى تعبير عن موقف وانتماء -للاسف في القصير ابناء حزب الله اللبناني اعتبروا اشهداء وفي المقابل ثوار سوريا الذين قتلوا في نفس المعركه ايضا شهداء مفهوم الشهاده مقدس وله مكانه كبيره اللهم اجعلنا من الشهداء الحقيقيين .

  5. الفهم الفلسطيني للثورة والشهادة
    أليس أبو الثورة الفلسطينية، ياسر عرفات، هو من قاطع محمود درويش أثناء إلقائه قصيدة "في مديح الظل العالي" أمامه، قائلا: عظيمة هذه الثورة .. إنها ليست بندقيه فلو كانت بندقية لكانت قاطعة طريق ..ولكنها نبض شاعر.. وريشة فنان.. قلم كاتب.. ومبضعة جراح .. وإبرة لفتاة تخيط قميص فدائيها وزوجها".. هذا هو فهم الفلسطينيين للثورة وفهمهم للشهادة والبطولة والحب لذلك فهم شعب لا يموت وينتفض في كل مرة من الرماد، شعب علمه قائده بأنه الفنيق، وعلمه الثورة بهذا الفهم العميق، قل بربك كيف يموت؟ وكيف يمكن للفصائل أن تختزل عظمته هذه في عسكرة أو انتماءات ضيقة؟

انتخابات 2020
43 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock