تحليل إقتصادي

البنوك بعد انتهاء إجراءات” كورونا”

محمد جميل عزم *

عمان-في ضوء تداعيات انتشار وباء كورونا، قام صانعو السياسات في الدول بوضع العديد من الإجراءات التي تضمن التدفق المستمر للائتمان للنشاط الاقتصادي وتحديدا الائتمان الممنوح من البنوك. بعض هذه الإجراءات تعزز من قدرة وقوة البنوك على الإقراض من خلال مزيد من المرونة فيما يخص راس المال وتقوية وضع السيولة لدى البنوك وكذلك ما يتعلق بعمليات تصنيف درجات جودة الائتمان واحتساب المخصصات والخسائر الائتمانية.
البعض الآخر كان يتعلق بمنح البنوك محفزات للإقراض من خلال تخفيض مخاطر وكلفة منح قروض جديدة مثل برامج الضمانات لمنح القروض أو تخفيض كلفة الأموال للإقراض مثل برامج Funding for Lending، وبالمحصلة برامج تحفز البنوك لمنح القروض.
وقد ساهمت هذه الإجراءات في نمو حجم الإقراض، واستفادت القطاعات المتأثرة بالجائحة وخصوصا المؤسسات المتوسطة والصغيرة وساهمت باستمراريتها، وبالتالي استمرار النمو الاقتصادي المنشود.
بدأ النقاش دولياً مؤخراً حول الانتهاء من الإجراءات التي اتخذتها الدول وما النتائج المتوقعة من ذلك، ومن أهم النتائج التي قد تحصل أن تعاني مؤسسات الأعمال من ضعف السيولة وتراجع التدفقات النقدية لديها وعدم تعويض التدفقات النقدية التي لم تتحقق أصلا خلال فترة الإغلاقات. كما قد يتعرض العديد من المقترضين لصعوبة في سداد الأقساط التي تم تأجيلها خلال فترة برامج التحفيز من جهة والأقساط التي استحقت وملتزم بها بذات الفترة من جهة أخرى. إضافة إلى أن انهاء برامج الضمانات المقدمة من الدول ومؤسساتها يمكن أن يؤدي إلى صعوبات في تجديد أو الحصول على ائتمان جديد. كما ستواجه عملية منح تمويلات لحسابات جديدة مزياد من التحديات، كون البنوك ستصبح أكثر تحفظا بالمنح. الأمر الذي يعني بالمحصلة تعثر العديد من الشركات والأفراد وبشكل رئيس الشركات المتوسطة والصغيرة.
في حال انتهاء برامج الإجراءات المتخذة من قبل الدول، ومع التوقع بأن تبدأ أسعار الفوائد بالارتفاع خلال الفترات المقبلة، فإن كل ذلك سيزيد العبء على المقترضين وعلى قدرتهم بالاستمرار، وقد يكون من المناسب إضافة إجراءات مقترحة جديدة لمواجهة وتخفيف الآثار المستمرة للجائحة، ومن هذه الإجراءات المقترحة السماح بهيكلة الأقساط التي تم تأجيلها خلال الجائحة ليتم سدادها خلال مدة أطول وبسعر فائدة منخفض ومدعوم، وتوفير مزيد من المرونة في تطبيق التعليمات الرقابية المختلفة في مجالات مختلفة مثل احتساب المخصصات الائتمانية والخسائر الائتمانية المتوقعة، إضافة الى تيسير وتخفيض الفترة اللازمة لانتظام حسابات المقترضين والتراقي بين مراحل فئات المخاطر الائتمانية (من ديون متعثرة إلى المرحلة الثانية أو من المرحلة الثانية إلى المرحلة الاولى).
كما من المهم زيادة القدرة على منح قروض جديدة من خلال التحسين على محددات احتساب نسب كفاية رأس المال وجعلها أكثر مرونة، واستمرار توفير التمويل منخفض التكلفة للبنوك ضمن برامج الدول المختلفة لكي تتمكن البنوك من توفير قروض بسعر فائدة منخفض أو حتى بسعر صفر للعملاء لمدة أطول. إضافة إلى تخفيف المتطلبات الرقابية الخاصة بالسيولة مثال ذلك نسب السيولة وتخفيض متطلبات الاحتياطي النقدي وربطها بالتمويلات ذات العلاقة ببرنامج التحفيز المقدم من الدول. كما يمكن زيادة الآجال المسموحة للقروض الممنوحة للأفراد لفترات أطول. ومراجعة برامج ضمان القروض المقدمة من المؤسسات المعنية وتمديد فترتها، وجعلها أكثر كفاءة خاصة من حيث الاسراع بعملية سداد القروض التي تتعثر لدى البنوك والمضمونة من قبلهم.
على مستوى البنوك، فقد يكون من الضروري ان يكون هناك إجراءات تتخذها البنوك للتعافي في حال انتهت حزم التحفيز المالية والاقتصادية التي طرحتها الدول، ومن هذه الإجراءات ان يكون لدى كل بنك خطة تعافي Recovery Plan يمكن تطبيقها في حال كانت هناك ضغوطات يتعرض لها البنك وحاجة إلى استقرار أعماله وبالتالي تدعيم الملاءة المالية للبنك، وتتضمن مؤشرات لخطة التعافي recovery plan indicators تتواءم مع عمليات البنك وإطار المخاطر لديه. وبحيث يكون لدى كل بنك مؤشرات تحذير رئيسية Early Warning indicators تدل على احتمال انخفاض جودة الموجودات وحصول خسائر ائتمانية.
اما خيارات التعافيRecovery Options لدى البنوك، فقد تتضمن تكثيف عملية مراقبة حجم المتأخرات، وتصنيف المقترضين ضمن فئات محددة وفقا لحجم وتركز مخاطرهم، وتوقع تدفقاتهم النقدية ضمن عدد من السيناريوهات، وبالتالي وضع خطط العمل المختلفة للتعامل مع هؤلاء العملاء ضمن كل فئة، وبما قد يشمل إعادة الجدولة أو الهيكلة وزيادة الآجل، تخفيض سعر الفائدة، تدعيم الضمانات، الخ، وبما يعزز بالنهاية عملية التحصيل منهم. كما يمكن تخفيض حجم السقوف الائتمانية الممنوحة للقطاعات الاقتصادية المتأثرة، وزيادة حجم ونسب تغطية الضمانات، وتدعيم فرق المتابعة والتحصيل لدى البنوك وإعادة ترتيب اولوياتهم للحسابات التي تحتاج لعناية خاصة.
ومن الأهمية ان تقوم البنوك بزيادة متدرجة لحجم ونسب تغطية المخصصات/ الخسائر الائتمانية المتوقعة واستعمال سيناريوهات أكثر تحفظاً لدى احتسابها. كما أن تقوم بتخفيض التكاليف من خلال تخفيض المصاريف التشغيلية وتخفيض نسب التوزيعات. والسعي ما أمكن لزيادة راس المال.
نهاية قد ترتفع نسب التعثر لدى البنوك، الأمر الذي قد لا تنجح معه الإجراءات التي تتخذها البنوك منفردة. وان الخوف والحذر من ارتفاع كلفة مخاطر الائتمان وانخفاض ربحيته سيؤدي الى قيام البنوك بالتشدد وتخفيض رغبتها ومقدرتها على الدخول في مخاطر ائتمانية جديدة، وبالتالي تطبيق معايير أكثر تحفظاً لمنح الائتمان ورفع هامش العائد مقابل المخاطر التي يتحملها البنك، وبما يعني ذلك كله من صعوبة التعافي بالاقتصاد. الأمر الذي يحتم دراسة تمديد وزيادة الدعم المقدم من الدول، أو اتخاذ إجراءات جديدة لضمان استمرار تدفق الائتمان للنشاط الاقتصادي.

* عضو منتدى خبراء المخاطر

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock