تحليل إقتصادي

البنية المتطورة للنمو العالمي

مايكل سبنس وسانديل هلاتشوايو*
نيويورك– منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كان الانفتاح الاقتصادي العالمي على التجارة والمال في ازدياد مستمر، وذلك بفضل مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والجولات المتعاقبة من التحرير، التي بدأت بالاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (الجات) في العام 1947.
وعلى خط متواز مع ذلك الانفتاح، انهار الاستعمار، والآن تجاوزنا نصف الطريق تقريباً في عملية استمرت قرناً من الزمان تقريباً من التحديث بالنسبة للعديد من الدول النامية التي نشأت.
ولكن إلى أين قادتنا هذه العملية، وإلى أين تأخذنا الآن؟ وربما كان التساؤل الأكثر أهمية هو كيف يتسنى لنا أن نؤثر على مسار هذه العملية.
مع خفض الحواجز الرسمية أما التجارة وتدفقات رأس المال، اجتمعت اتجاهات متعددة في التعجيل بوتيرة النمو والتغير البنيوي في اقتصاد بلدان ما بعد الاستعمار وغيرها من البلدان النامية. ولقد اشتمل هذا على التقدم الذي تم إحرازه في التكنولوجيا (وخاصة في وسائل النقل والاتصالات)، والإبداع الإداري في الشركات المتعددة الجنسيات، وتكامل سلاسل التوريد لهذه الشركات.
وعلى هذا ففي مرحلة مبكرة من فترة ما بعد الحرب توسعت البلدان النامية التي كانت صادراتها فيما سبق تتألف في الأساس من الموارد الطبيعية والمنتجات الزراعية، توسعت في عمليات التصنيع الكثيفة والعمالة. وفي المقدمة جاءت صناعات المنسوجات والملابس، ثم أتت صناعات الأمتعة والصحون والألعاب، إلى آخر ذلك. كما توزعت سلاسل التوريد جغرافيا، مع تخصيص مكونات القيمة المضافة المنخفضة والعمليات للبلدان ذات الدخل المنخفض.
ففي مجال الإلكترونيات الاستهلاكية على سبيل المثال، تحولت البلدان المنخفضة إلى موقع طبيعي لعملية التجميع التي تحتاج إلى عمالة مكثفة. ولكن أشباه الموصلات، ولوحات الدوائر، وغيرها من المكونات كانت مصممة ومصنعة في البلدان ذات الدخول المتوسطة المرتفعة مثل كوريا الجنوبية.
ورغم أن الوصف الأفضل للبنية المتحولة للاقتصاد العالمي هو أنها بمثابة رحلة تنطلق مرة واحدة فقط، فإن النمو في البلدان النامية يعرض أنماطاً متكررة. وهناك قوى اقتصادية عاتية تدفع التطور البنيوي والتنوع الاقتصادي، وغير ذلك من العوامل التي تؤسس للنمو وتنتج التحولات التي تشترك في العديد من العناصر.
على سبيل المثال، بعد أكثر من ثلاثين عاماً من النمو السريع، تدخل الصين الآن مرحلة “الانتقال إلى الدخل المتوسط”. ومع الوقت، سوف تنتقل مكونات سلاسل القيمة المضافة التي تحتاج إلى عمالة مكثفة بعيداً عن مناطق الصين الأعلى دخلا. وبفضل الاستثمار العام المكثف في البنية الأساسية والقدرات اللوجستية، فإن بعض هذا العمل سوف ينتقل إلى المناطق الداخلية من البلاد، حيث الدخل الأدنى. ولكن في نهاية المطاف، سوف تنتقل الأنشطة التي تحتاج إلى عمالة مكثفة إلى بلدان تمر بمراحل مبكرة من التنمية، في حين تتحرك الصين في اتجاه صاعد على سلسلة القيمة، سواء في قطاع التصدير أو فيما يتصل بارتفاع الدخول، في الإنتاج لصالح الاستهلاك المحلي.
ولكن هذا التحول في اتجاه الدخل المتوسط يعتبر في بعض الأحيان بمثابة فخ. والواقع أن أغلب البلدان التي تدخل مرحلة التحول نحو الدخل المتوسط تشهد قدراً من تباطؤ النمو، أو حتى توقف النمو. فمن بين 13 حالة من النمو المرتفع المستدام في مرحلة ما عبد الحرب (أو 15 حالة بإضافة الهند وفيتنام قريبا)، تمكنت خمسة بلدان فقط ـ اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وهونج كونج وسنغافورة ـ من الاحتفاظ بمعدلات نمو مرتفعة في مرحلة الانتقال إلى الدخل المتوسط، ثم تحركت في اتجاه مستويات دخول البلدان المتقدمة، حيث يبلغ نصيب الفرد في الدخل 20 ألف دولار أو يتجاوزها.
وكل هذه التغيرات البنيوية تشكل جزءاً من الساحة الاقتصادية العالمية الدائمة التحول والتي أصبح توقع نمطها الإجمالي بشكل دقيق أمراً غير وارد. ويرجع هذا جزئياً إلى دخول البلدان وتفاعلها مع الاقتصاد العالمي في أوقات مختلفة وتوسع اقتصادها بمعدلات مختلفة. والواقع أن البلدان التي حققت نمواً اقتصادياً مرتفعاً في مرحلة مبكرة ـ اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان ـ كانت في مستهل الأمر تصدر المنتجات التي يحتاج تصنيعها إلى عمالة مكثفة، ثم انتقلت في مرحلة لاحقة إلى سلع تحتاج إلى استثمارات رأسمالية مكثفة مثل السيارات، ثم إلى الأنشطة التي تتسم بالاستثمار المكثف في رأس المال البشري مثل التصميم وتطوير التكنولوجيا. ومع ارتفاع الأجور، هاجرت الأنشطة القديمة الكثيفة العمالة من اليابان إلى بلدان أخرى كانت تمر بمراحل مبكرة من التطور الاقتصادي.
لقد تسارعت خطوات الصين في اتجاه نمط النمو المرتفع في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، وذلك بفضل الفوائد المتمثلة في انخفاض تكاليف العمالة لديها إلى جانب إدخال تعديلات كبرى على السياسة الاقتصادية. ولكن أحداً لم يتوقع هذا التحول الصيني المفاجئ بعيداً عن الاقتصاد المغلق المخطط له مركزيا، وفي اتجاه اقتصاد أكثر انفتاحاً وتوجهاً نحو السوق، مع توسيع الحريات الاقتصادية المكفولة للأفراد والشركات على حد سواء.
ومع تحول اقتصاد الأسواق الناشئة في اتجاه مكونات القيمة المضافة الأعلى في سلاسل التوريد العالمية، فقد تعمقت رؤوس أموالها المادية والبشرية والمؤسسية. وهذا من شأنه أن يدفع بنيتها الاقتصادية إلى الاقتراب من نظيراتها في البلدان المتقدمة، وأن يفرض قدراً أعظم من المنافسة فيما كان يُعَد ذات يوم منطقة تنفرد بها البلدان المتقدمة ـ أكثر سلع وخدمات القيمة المضافة تطورا.
وعند هذه النقطة تصبح البلدان عند مفترق طرق. ذلك أن الحجم الإجمالي للبلدان النامية (وخاصة الأسواق الناشئة الكبرى)، والدخول المتزايدة الارتفاع في هذه البلدان، وصعودها المستمر على سلسلة القيمة، كل ذلك يخلق تأثيراً متنامياً على اقتصاد البلدان المتقدمة، وخاصة القطاعات القابلة للتداول في اقتصاد هذه البلدان.
ولكن ما هو حجم التأثير الذي قد نشهده في دولة متقدمة ضخمة مثل الولايات المتحدة؟ إن ما يقرب من 98 % من فرص العمل الجديدة التي تم خلقها في الولايات المتحدة منذ العام 1990، والتي بلغت 27.3 مليون وظيفة، كان في القطاع غير القابل للتداول ـ الذي تهيمن عليه الحكومة، وخدمات الرعاية الصحية، وبيع التجزئة، والضيافة، والعقارات. ونظراً للقيود طويلة الأمد التي فُرِضَت على الإنفاق المالي وإنفاق الأسر الأميركية في أعقاب الأزمة المالية والضغوط التي دفعت أسعار الأصول إلى الانخفاض، فإن استدامة مثل هذه النمط من تشغيل العمالة تصبح موضع شك.
والواقع أن العجز في مرحلة ما بعد الأزمة في الطلب المحلي يعمل بشكل عنيد على ارتفاع معدلات البطالة، حتى في ظل استعادة الاقتصاد لبعض من زخم النمو. ومن حيث المبدأ فإن الطلب الخارجي، وخاصة في الأسواق الناشئة السريعة النمو، قادر على التعويض عن بعض من هذه الفوارق. ولكن هذا لم يحدث ـ على الأقل حتى الآن. ورغم انخفاض العجز التجاري الأميركي إلى 375 بليون دولار في العام 2009 بعد أن بلغ 720 بليون دولار في العام 2007، فإن التعديل كان قادماً بالكامل من الانحدار الحاد الذي سجلته الواردات من 2.35 تريلون دولار إلى 1.95 تريليون دولار، في حين سجلت الصادرات هبوطاً طفيفاً من 1.65 تريليون دولار إلى 1.57 تريليون دولار.
وقد يأتي النمو في الصادرات مصحوباً بالمزيد من التوسع في أجزاء من سلاسل القيمة المضافة حيث تتمتع الولايات المتحدة بالفعل بالقدرة على التنافس (التمويل، والتأمين، وتصميم أنظمة الحاسب الآلي على سبيل المثال). ولكن نطاق قطاع التصدير ذاته لابد وأن يتوسع من أجل توليد القدر الكافي من تشغيل العمالة والحد من العجز الخارجي.
وسوف يتطلب هذا استعادة القدرة التنافسية الخلاقة في إطار مجموعة موسعة من عناصر ومكونات القيمة المضافة في القطاع القابل للتداول. ومن الجميل أن تتوفر وسيلة مؤكدة بدرجة معقولة لتحقيق هذه الغاية. ولكن هذا غير متوفر، ولا شك أن تدابير الحماية لا تشكل الحل المطلوب. والواقع أن هذا يشكل تحدياً بالغ التعقيد بالنسبة لأي بلد، وهو التحدي الذي يدعو إلى تبني نهج متعدد الجوانب في تعزيز ودعم الاستثمار في رأس المال البشري، والقاعدة التكنولوجية للاقتصاد، والبنية الأساسية.
* مايكل سبنس حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد. وسانديل هلاتشوايو باحث بكلية شتيرن.
خاص بـ”الغد” بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت 2011.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock