منوعات

التآلف مع الأفكار

علاء علي عبد

عمان- يلجأ العقل للتعبير عن نفسه إلى تصنيع الأفكار، لكن هذه الأفكار يصفها البعض بالوحوش الصغيرة التي تسيطر على العقل والتي تمنع كل مشاعر السعادة والبهجة من أن تطرق باب حياتهم. فما تقوم به هذه “الوحوش الصغيرة” هو جعل المرء يشعر على سبيل المثال بأنه عديم الفائدة وفاشل في كل جوانب حياته.
عند التمعن قليلا بتلك الأفكار السيئة نجد بأن المشكلة ليست بتلك الأفكار بحد ذاتها، وإنما المشكلة تكون بالدرجة العالية من الاقتناع لدى المرء بحقيقة تلك الأفكار وكأنها من المسلمات غير القابلة للنقاش.
من أهم الطرق التي يلجأ المتخصصون لها عند التعامل مع مشاعر القلق؛ إقناع المريض بأن هذه الأفكار التي تمر في ذهنه ما هي إلا نشاطات للعقل، وهذه النشاطات لا يجب أن تعامل كنوع من المسلمات، فهي في الواقع مجرد محاولة من العقل تقديم خبرات المرء في الحياة عن طريق الصور والكلمات والأصوات التي تتحول إلى أفكار داخلية يشعر بها المرء باستمرار.
يحاول العقل من خلال الأفكار التي يقدمها للمرء أن يتنبأ بالمستقبل عن طريق ربط تجارب المرء السابقة والحاضرة بعضها ببعض. ويؤدي هذا الربط لإنتاج عدد من الأفكار والقصص والانتقادات الذاتية التي تكون قاسية بشكل كبير في معظم الأحيان. وهذا كله يقود المرء لصناعة عدد من المحاذير لحماية نفسه من التعرض لتلك الانتقادات، ولتبدأ هذه المحاذير شيئا فشيئا بالتحول لما يشبه الجدران العازلة التي تأسر المرء داخل أفكاره التي يصبح ينظر لها كوقائع وليس كمجرد أفكار.
تكرار هذه الأفكار يؤدي بصاحبها للشعور بالتوتر والقلق بشكل يجعله لا يستطيع رؤية أي شيء جميل في حياته. في مثل هذه الحال يتمنى المرء لو امتلك القدرة على إسكات عقله وجعله يتوقف عن الاستمرار بتذكيره بواقعه، باعتبار أن هذه الأفكار، مثلما ذكرت منذ قليل، تعد من الوقائع غير القابلة للنقاش في نظره.
من خلال التجارب تبين أن أفضل طريقة لجعل العقل يتوقف عن ضخ هذه الأفكار هو التعامل معها وليس ضدها. ولنتمكن من هذا يجب بداية أن نقتنع بأن هذه الأفكار ليست وقائع، فعلى سبيل المثال قد تسيطر على المرء فكرة أن دقات قلبه غير منتظمة وأن هذا سيؤدي لوفاته خلال دقائق. بعد مرور الدقائق تلك يكون العقل قد انتقل لفكرة أخرى مبعدا تركيز المرء عن حقيقة أن مخاوفه عن الموت لم تحدث بالفعل.
لو سلمنا بوصف الأفكار التي يقدمها الذهن بأنها عبارة عن “وحوش صغيرة” تسيطر على العقل، فإنه يمكننا تشبيه هذه الوحوش بتلك التي نراها في الأفلام السينمائية، فعندما تكون تلك الوحوش متقنة الصنع ومصورة بتقنيات عالية يمكن أن تجعل المرء يشعر بالرعب الحقيقي، لكن عندما ننظر لأفلام الماضي حيث لم تكن التقنيات العالية متوفرة، قد نجد أنفسنا نضحك من تلك الوحوش كوننا ندرك بأنها ليست حقيقية.
الأمر نفسه يمكن تطبيقه على الأفكار، فالأفكار في حقيقتها تعتمد على مخزون الذاكرة لدى المرء وقدرته على التخيل. فعندما نتذكر وجبة العشاء التي تناولناها بالأمس، فإنها تأتي على شكل صورة لذلك الطعام، لكن لو كانت قدرة المرء على التخيل قوية وكانت الذكرى متعلقة بشيء أكبر من مجرد الطعام فإن المرء قد لا يرى الصور فحسب بل إنه قد يشعر بمذاقها أيضا، حسب ما ذكر موقع “SelfGrowth”.
هذا ما يحدث لدى من يعانون من صدمة نفسية تجاه حادث مر بهم كفقدان عزيز أو التعرض لإصابة معينة، فإن العقل يقوم بإعادة تلك اللحظات بشكل تبدو معه كأنها تتكرر بالفعل في الحاضر. يهدف العقل من إعادة تلك الصور إلى تحذير المرء من احتمالية تكرارها في المستقبل. أي أن تلك الوحوش لا تهدف لتخويف المرء وإنما تحذيره، لكن المبالغة بالحذر تنتج تلك المخاوف، لذا حاول أن تعيد النظر لتلك “الوحوش الصغيرة” أن تنظر لها بدون حكم مسبق بأنها مرعبة، تعامل معها بنوع من الإدراك والتفهم لطبيعتها وبقدر معقول بـ”التشكيك” بصدقها. عندما تنظر بهدوء لتلك الأفكار ستجد بأنها ليست مرعبة بالقدر الذي اعتقدته، وستجد أن حرص عقلك الزائد عليك هو المسبب الأول لتلك الأفكار. لكن عندما تعتاد أن تنظر لها من خلال هذه الزاوية ومن أنها مجرد أفكار مبنية على تجاربك السابقة وأن محاربتها تكون عبر تحسين تجاربك القادمة سيساعدك هذا الأمر على تجاوز مخاوفك وكسر جدرانها التي أحاطت بك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock