ترجمات

التباسات القومية الإيرانية

أزاديه كيان * – (أوريان 21) 17/11/2017

بين الدين والمذهب وأيديولوجية العرق الآري تتعزز القومية الإيرانية في مواجهة التهديدات الأميركية وفي تصديها لبلدان الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية. ولكن كيف نُعرّف هذه القومية؟ هل أساسها الدين في المقام الأول، أم المذهب الشيعي، أم العرق الآري؟ مسألة ينقسم حولها المجتمع الإيراني.

  • * *
    في أكتوبر 2016 تجمع آلاف الإيرانيين حول مرقد سيروس الأعظم مؤسس حكم الأخمينيين (550 ق. م) إحياء لذكرى ميلاد الرجل الذي كان رمز عظمة إيران قبل الإسلام. تمّ التجمع بباسارغا بالقرب من بيرسي بوليس، العاصمة الرئيسية لسلالة الأخمينيين، وتحوّل إلى مظاهرة مناهضة لنظام الجمهورية الإسلامية رفع خلالها بعض المتظاهرين شعارات مناهضة للعرب وللإسلام: “نحن لسنا عربا ولا نقدس الإسلام، نحن آريون”. ورغم اعتقال منظمي هذا التجمع إلا أن الآلاف تجمعوا مرة أخرى في نفس المكان يوم 20 مارس/آذار 2017 احتفاء بحلول السنة الإيرانية الجديدة (النوروز)، وهو العيد الوطني لما قبل الإسلام والذي حاول آيات الله، خلال السنوات الأولى من الثورة، منعَه دون جدوى.
    وتعكس المشاعر المناهضة للعرب والمعادية للإسلام في المقام الأول غضب جانب من السكان بسبب انتهاكات النظام الإسلامي الذي تخلى غداة ثورة 1979 على عنصر الهوية الذي كان سائدا أيام الشاه لصالح الإيديولوجية الإسلامية. وقد تفاقمت هذه المشاعر أمام الازدهار الاقتصادي والمالي للبلدان العربية في المنطقة، وعلى الخصوص دول الخليج. ذلك الانتعاش يبطل، عمليا، إحساس تفوق الإيرانيين (الفرس) على العرب. ذات مرة، أسرَّ لي مسؤول رسمي إيراني رفيع المستوى أنه بكى وهو يشاهد “تطور هذه البلدان الصغيرة التي كانت بالأمس فقيرة ومتصحرة في الوقت الذي تقهقرت فيه إيران”. كما أن المناضلات من أجل حقوق المرأة في إيران ينظرن بعين الأسى إلى رفض الرئيس حسن روحاني أسوةً بسلفه محمد خاتمي تعيين نساء في موقع الوزارة بينما عُيّنت سبع نساء في مناصب وزارية في حكومة الإمارات العربية المتحدة.
    مركزية اللغة
    وبغض النظر عن التوتر الحالي بين إيران والدول العربية، فالعلاقات بين الفرس والعرب تشوبها نزاعات تعود لأسباب تاريخية. فرغم اعتناقهم الإسلام منذ القرن السابع الميلادي، رفض الفارسيون التعريب فحافظوا على لغتهم، وتنازعوا الشرعية الإسلامية مع العرب باعتمادهم المذهب الشيعي. هذا المذهب الذي أصبح العامل الأساسي في توجيه الثقافة الإيرانية وإشعاعها حتى داخل العالم العربي، حيث اعتنقه بعض العرب إلى حد أنه أصبح يمثل الأغلبية في العراق والبحرين وبشكل نسبي في لبنان.
    يبرز هذا الرفض للتعريب بصفة جلية في مركزية اللغة الفارسية في بناء الأمة والقومية الإيرانية. إن اللغة الفارسية الحديثة التي يتم تداولها اليوم أيضا في أفغانستان وطاجكستان والتي تشكلت في القرن التاسع الميلادي، والتي مرت من الفارسية القديمة تحت حكم الأخمينيين (من القرن 6 إلى 4 ق.م) إلى الفارسية الوسطى تحت حكم الساسانيين (من القرن 3 إلى القرن 7 م)، سمحت بتبليغ التراث الراقي لفارس القديمة عبر الشعر والأدب على الخصوص. ففي كتاب الملوك (الشاه نامه) الذي انتهى من كتابته أبو القاسم الفردوسي في 1010، يحكي الشاعر الملحمي الكبير، بلغة فارسية “مصفاة” من التأثير العربي، التاريخ الأسطوري للعالم ولملوك إيران من الأصول حتى المرحلة الإسلامية من أجل صون الشموخ الإيراني. وهكذا نفهم لماذا أصبح كتاب الملوك، الذي يعرفه حتى الإيرانيون الأميون عبر الحكائين الذين تغنوا به في المقاهي الشعبية طوال تلك القرون، رمز استمرارية الأمة الإيرانية، ومدعاة الفخر الوطني بالنسبة للقوميين العلمانيين. هؤلاء المفعمون بالحنين لماضي إيران ما قبل الإسلام، يكنون ازدراء “للغزاة العرب” ولغتهم ودينهم الذي ينسبون له سبب انحطاط الحضارة الإيرانية وكافة آفات المجتمع المعاصر. هذا الخطاب القومي يعمل على تأكيد القيم الثقافية الأصيلة لماضٍ يفترض أنه مشترك، وفي نفس الوقت يقدم نفسه على أنه مشروع حديث من شأنه أن يلغي الروابط التقليدية لصالح هويات جديدة.
    النظرة الاستعلائية للعرب كبدو رحل
    فالأريانية أو فكرة الانتماء إلى العنصر الآري كانت قد ترسخت بالفعل لدى المثقفين الحداثيين في القرن التاسع عشر، من المتأثرين إلى حد بعيد بالاستشراق الغربي. فلا يمكن فصل نزعتهم الوطنية عن التصور الإدراكي الذي بناه رحالة أو مبشّرون أو ضباط غربيون كانوا يرون أنه يتعين تمدين الفارسيين أو بالأحرى تحويلهم من الشخصية الفارسية المحتاجة للتحضر إلى شخصية أوروبية. ولا يزال بعض مثقفي هذه المرحلة مثل فتحعلي آخوندزاده (1812، 1878) وميرزا آقا خان كرماني (1855، 1896) جد مؤثرين على القوميين العلمانيين الذين يحنون لإعادة إحياء الماضي سواء في إيران أو في الشتات. كان كل من كرماني وآخوندزاده، وعبر تأثرهما بالمستشرقين الأوروبيين وخاصة آرتور دي غوبينو (الذي عاش في إيران في خمسينيات القرن التاسع عشر)، معاديَين للعرب وممجدَين للإرث الإيراني قبل الإسلام. كما كانا يريان أن للإسلام وشريعته تأثيرا كارثيا على المجتمع، ويناديان بإحلال القومية الإيرانية محله. وبينما يرفعان شعار “الأمة الإيرانية” (ملة إي آريان)، خلال معارضتهما حكم القاجار الواهن، كان حلمهما إحياء ماضي إيران المجيد. فتحت حكم هذه الأسرة تنازلت إيران عن القوقاز لروسيا (1813) وعن حيرات للبريطانيين (1857) بعد حروب مع الروس والانجليز كان كلا المثقفَين الكبيرَين يعارضانها.
    كانا معجبَين بالحضارة الغربية، يحثان على الفصل بين الدين والدولة وينتقدان عدم المساواة بين الرجال والنساء وبين المسلمين وغير المسلمين معتبرين أن الدين الإسلامي لا يتوافق مع الحداثة ولا الدستورية الديمقراطية. هؤلاء المثقفون الذين لعبوا دورا بارزا في بناء الإيديولوجية القومية يؤيدون فكرة التقدم الذي يجعل من المسار الأوروبي مسارا عالميا، ويرون في المجتمعات الغربية المستقبل الذي يتعين على المجتمعات الأخرى (التقليدية) أن تصل إليه. فالأصل الإثني واللغوي الهندو أوروبي لهذه الأمة الإيرانية من شأنه أن يسهل – وفقا لهؤلاء المثقفين – “أَوْرَبة” إيران والإيرانيين وتمييزهم عن العرب، الذين يعتبرونهم بدوًا بلا مجد ولا تاريخ.
    وترسخت الوطنية المستندة الى الهوية مع تشييد الدولة الحديثة على يد رضا شاه (1925، 1941) مؤسس حكم آل بهلوي (1925، 1979). ومن أجل التوحيد الثقافي لإيران المتعددة الإثنيات، أصبحت اللغة الفارسية إجبارية في الإداره ومؤسسات التعليم. وفي 1923 تم حظر استعمال اللغات غير الفارسية. وكان الهدف المنشود هو محو الهويات الإثنية لصالح الفارسية. وقد اعتبر رضا شاه، على غرار المثقفين العلمانيين، بأن الدين الإسلامي يمثل العائق الأساسي أمام تقدم وتطور المجتمع، وحاول بناء هوية وطنية إيرانية من الأعلى. وكان أحمد كسروي ، وهو مثقف جد مؤثر في تلك المرحلة (اغتيل سنة 1946 على يد تنظيم ديني سري يدعى فدائيي الإسلام) ، يرى في التنوع الإثني واللغوي مصدرا للنزاع. فحاول اختراع أصل مشترك يسمح بتجاوز الهوية الدينية بقصد تأكيد هوية وطنية تستند إلى ماضٍ يبدو مثاليا.
    انقلاب 1953 شكّل انعطافاً تاريخياً
    وعمل محمد رضا شاه (1942، 1979) الذي يدين بعودته إلى العرش إلى انقلاب أغسطس/آب 1953 الذي حاكته أجهزة المخابرات الأميركية والبريطانية ضد الحكومة الديمقراطية لمحمد مصدق على إضفاء شرعية لنفسه بالتأكيد على الارتباط بين إيران كهوية وبين النظام الملكي بهدف إبراز عظمة إيران ما قبل الإسلام رابطا ذلك بسياسة من أعلى تتبنى التحديث على النمط الغربي. فالاحتفالات الضخمة التي تم تنظيمها في بيرسي بوليس، سنة 1971 للاحتفاء بمرور 2500 سنة من النظام الملكي واستمرارية الامبراطورية الفارسية، كان هدفها الرمزي الإشارة إلى التفوق التاريخي الإيراني في العالم ومكانتها كأهم قوة إقليمية؛ فإيران التي كان يعتبرها المعسكر الغربي جزيرة من الاستقرار في الشرق الأوسط وحصنا ضد القوة السوفياتية نالت دعما عسكريا وتكنولوجيا مهما من طرف حلفائها الغربيين قصد تعزيز موقعها كقوة إقليمية.
    وفي إطار نظرية الرئيس الأميركي دوايت إيزنهاور “الذرة من أجل السلام” ، انطلقت إيران ابتداء من 1953 في البحث النووي حيث سلمتها الولايات المتحدة مفاعلا صغيرا للأبحاث تم وضعه في جامعة طهران لتكوين الأخصائيين الأوائل في المجال النووي. وهكذا كان لدى إيران عشية الثورة حوالي ألف مختص. وحسب أكبر اعتماد، المدير السابق للبرنامج النووي الإيراني ورئيس منظمة الطاقة النووية أثناء حكم الشاه، فإن رغبة إيران في إتقان دورة الوقود النووي لم تكن لتدع مجالا لشك الأوروبيين في أن إرادة الشاه هي الوصول إلى العتبة النووية: أي إلى المستوى الذي يسمح له، إن تطلّبت الظروف، بتطوير سلاح نووي في آجال قصيرة نسبيا.
    وقد حاول قادة الجمهورية الإسلامية، مستعملين النزعة القومية لغايات سلطوية كما فعلوا أيضا بالمذهب الشيعي، استعمال مسألة النووي في استراتيجية استعادة الشرعية وبناء إجماع وطني حول امتلاك التكنولوجيا النووية جاعلين منها الشعار الجديد للقومية الإيرانية. نفس المسعى يظهر مع تطوير الصواريخ الباليستية التي يفترض أنها تحصن التراب الوطني وتجسد التفوق التكنولوجي والعسكري الإيراني في المنطقة. ويأتي ذلك خصوصا في وقت أصبحت فيه التوترات بين إيران والمملكة السعودية ترجمة لتصادم النزعات القومية والتي ازدادت حدتها بعد إعدام عدد من القيادات الشيعية في العربية السعودية وهجوم متعصبين محافظين للغاية على السفارة السعودية بطهران في يناير/كانون الثاني 2016.
    خليج عربي أم فارسي؟
    لهذا فإن قاسم سليماني القائد السابق لجيش القدس، الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني والمتواجد بقوة في العراق وسورية ولبنان، يحظى بشعبية فائقة في إيران وتقدمه صحافتها على أنه الرجل القوي في الشرق الأوسط. يُنظر إلى سليماني على أنه حامي البلاد من هجمات داعش وهو – وحده – يجسد إرادة النظام بامتلاك القوة، والمشاعر الوطنية التي تتشاركها قطاعات كاملة من المواطنين. وقد تم التعبير عن هذه المشاعر إثر خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2017، حين أعلن عدم تصديقه على الاتفاق النووي مع إيران مما يجعلها عرضة لعودة العقوبات الأميركية إن قرر الكونغرس ذلك، ويضعف اقتصادها الذي يعاني بالفعل من العقوبات الدولية. وقد استعمل الرئيس الأميركي أيضا خطابا شديد العدائية تجاه النظام وقادته الذين نعتهم بالفاسدين والقمعيين واتهمهم بأنهم سبب كل مشاكل الشرق الأوسط. كان القصد من خطاب الرئيس الأميركي التمييز بين النظام والشعب عبر إشادته بالإيرانيين “هذا الشعب صاحب تاريخ عريق ويستحق نظاما سياسيا أفضل” مؤكدا لهم صداقة الولايات المتحدة.
    غير أن الإيرانيين، وإن شاطر كثير منهم ترامب في الحكم على قادتهم بالفساد والقمع، لم يحتفظوا من خطابه سوى باستعماله عبارة الخليج العربي عوض الخليج الفارسي؛ فالغضب الذي أثارته هذه التسمية سواء في إيران أو لدى إيرانيي المهجر يظهر مرة أخرى أن سطوة القومية الإيرانية تتجاوز الخلافات السياسية والدينية أو الإيديولوجية. وليس هذا بغريب على شعب يرى نفسه مصدر الحضارة العالمية ويحاول باستمرار إيجاد مكانته على الساحة الإقليمية والدولية، والذي يتفق مع الفردوسي في قوله “وحدهم الإيرانيون يملكون الفن، وحدهم لا يخافون من الأسد إذ يزأر”.
  • أستاذة علم الاجتماع، جامعة باريس ديدرو
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock