فكر وأديان

التجارة بالدين

د. أحمد ياسين القرالة

تعرضت الأديان كلها وعلى مدى تاريخها للاستغلال والتوظيف المصلحي الذي يستغل حاجات الناس الروحية، ويوجه ضمائرهم الدينية ويستثمر قيمهم المقدسة لمصالح ذاتية ومآرب دنيوية خالصة.
وتخضع هذه التجارة في كثير من الأحيان لما تخضع له الظواهر الاقتصادية من قوانين ونواميس، كقوانين العرض والطلب والاحتكار والمنافسة وغيرها، وهي لا تتورع أبداً عن تزييف الدِّين وافتعال القصص وبث الخرافات ونشر الأساطير التي تضاعف مكاسبها وتعظم عوائدها.
وقد عرض القرآن الكريم نماذج لهذه التجارة القذرة عند الأمم السابقة فقال تعالى:” وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ” وبين أن في مقابل هذه الفئة فئة أخرى تأبى المتاجرة بالدِّين وتمتنع عن بيع قيمها واستغلال مبادئها لمصالح ذاتية دنيوية ضيقة، فقال تعالى:” وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ”.
وحذر القرآن الكريم المسلمين من أن يكونوا كالفريق الأول فقال تعالى:” إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ” وقال تعالى:” وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ” .
أسوأ ما في هذه التجارة أنها تفقد الناس ثقتهم بدينهم وتزعزع إيمانهم به، وتحطم المقدسات في نفوسهم وضمائرهم، وتخرج الدِّين عن وظائفه الحقيقية، وتعمل على إشغال الناس بتفاهات الأمور وسفاسفها.
التجارة بالدين تجارة رائجة مربحة فهي قليلة التكاليف مضمونة الأرباح سهلة الرواج عديمة المنافسة، تنمو وتزدهر بزيادة الجهل وتفشي القهر، أربابها أشخاص متواضعو القدرات محدودو الإمكانيات والمواهب، يتملكون مخزونا لغويا جيدا وأسلوباً قادرا على دغدغة عواطف الناس وتحريكها.
وقد استطاع البعض بتدينه الزائف وتصوفه الفارغ ومظاهره الدينية الخداعة، من أن يحقق من المكاسب الدنيوية والمكانة الاجتماعية ما عجزت عنه همم المبدعين ومواهب الموهوبين وإنجازات العلماء المتميزين.
لا سبيل للقضاء على هذه التجارة التي لا تقل ضرراً وخطراً عن تجارة المخدرات، إلا بالوعي السليم والسلوك الرشيد للمتدينين، والعمل على تقليل الوسائط بين الخالق والمخلوق؛ امتثالاً لقوله تعالى:” وإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ” فكلما ضاقت هذه الوسائط كلما قلت هذه التجارة، فهذه الوسائط هي علامتهم التجارية المميزة التي سلطتهم على ضمائر الناس ومكنتهم من السيطرة عليهم وجعلتهم خاضعين لهم مستسلمين لسلطانهم.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock