أفكار ومواقف

التجارة بصحة المواطن وسلامته!

من المؤسف جدا أن تتحول رخص مهنية طبية إلى استثمار يباع للقادرين ماليا ممن يسعون إلى تحقيق أرباح طائلة على حساب صحة المواطن، وينظرون إليها وكأنها سلعة وتجارة تدر عليهم مكاسب مالية فقط.
في قطاعات حساسة جدا تمس صحة المواطن وحياته، تنتشر ظاهرة بيع رخص المهن التي يمتلكها صيادلة وأطباء وغيرهم من أعضاء النقابات الصحية مقابل مبلغ مالي شهري يصل إلى الآلاف في بعض الأحيان، وهي ظاهرة تتم تحت سمع وبصر الجهات المعنية التي لم تتحرك لحلها حتى اليوم، فيما المطلوب تشديد الأنظمة على هذا النوع من “التجارة”، وزيادة الرقابة والتفتيش على تلك المؤسسات. فليس من المعقول أن تقف وزارة الصحة مكتوفة الأيدي أمام هذه الممارسات والاكتفاء بالتلويح بهذه الأنظمة. كما على النقابات الصحية الالتفات إلى هذه المعضلة واتخاذ إجراءات حازمة تجاهها.
تتعدد الشكاوى المقدمة لوزارة الصحة سواء تلك التي تتعلق بالخدمات التي تقدمها المراكز الصحية وعلى رأسها التجميل، أو بالنسبة لتسعيرة الإجراءات الطبية. ورغم إقرار نقابة الأطباء قانون التسعيرة في العام 2017، إلا أن هناك عمليات ما تزال خاضعة لتسعيرة المستشفيات أو لتلك المراكز جراء عدم تحديد تسعيرة لها ومنها القسطرة الدماغية، وهذا ملف على أجندة مجلس النقابة الحالي ويجب أن يسرع في إنجازه. بعض أعضاء المجلس يؤكدون أهمية ذلك، لكنهم يشيرون إلى أنهم يصطدمون في الوقت الحالي بمشاكل أخرى عديدة.
ربما لا تجري بعض هذه المراكز عمليات جراحية لأن ذلك يحتاج إلى كوادر طبية غير متوفرة إلا في المستشفيات، بيد أن هناك عمليات تجميل تحدث فعلا وتفتقد للحد الأدنى من مقومات العناية بالمريض الذي يجب أن تتم حمايته حتى لا يكون ضحية للعابثين والباحثين عن الكسب السريع والثراء، وفي حالات عديدة تسببت إجراءات تلك المراكز بتفاقم حالة المريض الصحية لأسباب عديدة على رأسها عدم دراسة السيرة الصحية للمريض جيدا.
ما يحدث غاية في الخطورة، حيث يتقاضى أطباء مبالغ مالية مقابل وضع أسمائهم على الرخصة، فيما لا يمارس الطبيب عمله داخل هذه المراكز ويكتفي بالحضور في نهاية الشهر لاستلام الأجرة الدورية المتفق عليها مع “المستثمر”، بينما يترك المجال لعاملين ممن يملكون دورات متخصصة في المجال للقيام بمهام الأطباء، وهذا يصنف في باب التجارة غير الأخلاقية، ويتعارض مع أخلاقيات المهنة التي يتوجب أن تكون إنسانية، وأيضا يتعارض مع القسم الذي صدح به الطبيب في جعل مهنته ذات أساس إنساني للتخفيف من معاناة المرضى وآلامهم، لا من أجل جعلها مصدرا للثراء السهل، وتعريض المرضى لإجراءات وتطبيب على يد غير المختصين!.
إصلاح القطاع الصحي لا يتحدد فقط في توفير كوادر طبية أو تدعيم البنية التحتية للمستشفيات الحكومية والمراكز الصحية، والتي لم تنجز الحكومة منها شيئا يسجل لها حتى الآن، بل إن عملية الإصلاح تتطلب السيطرة على الممارسات في داخل القطاع، ووقف جميع أشكال المخالفات والتجاوزات المسجلة في بعض المستشفيات الخاصة والمراكز الصحية، أو تلك المتعلقة بالتجميل، أو الصيدليات، والمختبرات الطبية، لأن كل ذلك يمس مباشرة حياة الناس وأمنهم وأموالهم.
ينبغي على الحكومة أن تفتح جميع الملفات، وأن تعود إلى صوابها بشأن ذلك باعتباره أولوية عليا لا يتقدم عليها أي أمر آخر، فالقطاع الصحي يحتاج إلى صرخة كبيرة لإعادته إلى طريق الصواب، وهذا يكون عبر وزارة الصحة والنقابات الصحية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock