أفكار ومواقف

التحديث السياسي الشعبي

سائد كراجة

لأجل الوضوح نقول: المعضلة ليست في الشعب، ولا في الشباب، ولا في المرأة بذواتهم، وإن كان لدى أي من هذه الفئات معضلة؛ فهي نتيجة تجريف سياسي وممارسات متعارضة ومتضاربة مارستها الدولة في الفضاء السياسي، وعلى فترات زمنية طويلة، قد يكون للدولة في تبني تلك السياسات مبرراتها الجيوسياسية أو المحلية، ولكن هذا لا ينفي وجود “القحل” الذي تشهده وشهدته الساحة السياسية الأردنية.

ولكن، ونحن نقول ذلك يجب علينا أن ننظر بعناية فائقة للساحة السياسية الشعبية، وأن نتفق على أن التجريف السياسي الذي تحدثنا عنه، لا بد وأنه ترك آثارا سلبية كبيرة على قطاعات الشعب كافة، وعلى المفاهيم السياسية في الوعي السياسي الشعبي، وان خطوات الدولة الحالية المحمودة في التحديث السياسي، ستكون حرثا في البحر، اذا لم تعالج آثار سنوات طويلة لممارسات وسياسات، افرغت المجال السياسي العام من الفاعلين السياسيين.

في مجال الشباب، حرصت الاسرة الأردنية على تطعيم أولادها ضد الاحزاب، وقد اعطتهم لقاحات “خايفر” ضد الاحزاب، وهو لقاح كانت توزعه الدولة تخويفا من الاحزاب ومن الحزبيين، بما في ذلك الحرمان من المكرمات او حتى التوظيف في القطاع العام، وذلك في مجتمع كانت وما تزال الدولة هي المشغل الرئيسي فيه، – الغريب ان اهم رجالات الدولة كانوا حزبيين، واحيانا في احزاب راديكالية –.

على مستوى الوعي الجمعي، تكرس في الثقافة الشعبية ان الحزبي شخص غير وطني، وانه ضد الوطن، ومشترك بشكل او بآخر في عمل تآمري ضد الوطن والبلد، ونموذج هذا الحزبي كان في كثير من الأحيان، نموذج منفر، فهو بلا عمل او بعمل ذي دخل قليل، وهو على هامش المجتمع.

اليوم نريد للشاب ان يقتنع ويؤمن ان الحزبي او الحزبية، هو شخص وطني بامتياز، فالدستور اباح الحزبية، والأردني مدعو للمشاركة الحزبية، لا بل ان الحياة السياسية والبرلمانية المقبلة سيكون الاحزاب والحزبيون عمادها، وان اي ذي طموح بالوزارة او النيابة يجب ان ينخرط في حزب ويكون عضوا فيه.

في مجال المرأة؛ فإن المعضلة أصعب واكثر تعقيدا، فالمرأة رغم أنها الاكثر تحصيلا وتأهيلا علميا، فإنها تفتقد الى اي دعم يساعدها للقيام بدورها كام، وان تمارس دورها في الحياة العامة معا، فمن المعلوم ان نسبة دخول سوق العمل للمرأة متدنية، وكنت اسمع انها اقل من ذات النسبة في اليمن، وواقع الحال الذي نعيشه نعرف ان المرأة صارت تعمل داخل البيت وخارجه، وعملها خارج البيت ليس متعة بل لاحتياج الاسرة لدعم اقتصادي تقدمه هي من راتبها، أما عملها داخل البيت فهو لأن الأولاد والزوج في كثير من الاحيان يعتبرون ان المساعدة في اعمال الاسرة – ليست حربهم- هذه الحقيقة تعني ان المرأة في كثير من الاحيان، لا وقت لها للحياة العامة والسياسية، وهنا سوف أتغاضى عن حقيقة معروفة انها اصلا تحرم من مثل هذه المشاركة من حيث المبدأ.

إذا أي تشجيع لدور المرأة في الأحزاب، يجب ان يصاحبه تفكير حقيقي في تكريس ثقافة المشاركة الاسرية في أعباء الأسرة، تمكنها من القيام بدورها المهم في بناء الاسرة، وايضا دعمها بوجود مؤسسات – دور حضانة مثلا- تمكنها من القيام بدورها كأم وكسياسية حزبية في نفس الوقت – وبغير هذا ستكون المشاركة ضعيفة وصعبة عليها، او انها ستقتصر على فئة محددة من النساء.

في مجال الاحزاب، ورغم الصعوبات والعقبات والسياسات التي واجهت الاحزاب، فإن مراجعة ذاتية تتأمل فيها الأحزاب ذاتها، وطرق إدارتها وأدوات عملها وبرامجها، صارت ضرورة ملحة، فالمعلومات الصحفية تقول إن عدد المنتسبين للأحزاب المرخصة الخمسين، لم يصلوا الأربعين ألفا، ورغم ان الأحزاب لا تعتمد على منتسبيها في حصد الاصوات الانتخابية، بل على برامجها التي تجلب لها المؤيدين من غير المنتسبين، إلا أن عدد المقاعد الحزبية ما يزال يؤشر على ضعف الاحزاب على النطاق الشعبي، وهذا يستدعي مراجعة ذاتية كما قلنا، تمهيدا للمرحلة المقبلة التي باشر بها جلالة الملك، ويتابع تطبيقها من كل الجهات عن كثب.

غاية القول ان حياة سياسية فاعلة، وفاعلين سياسيين، يحتاجون اكثر من فزعة لتشكيل الاحزاب او اندماجها، ويحتاجون لحملات ومبادرات ثقافية سياسية، تبدأ من المدارس وتمتد للإعلام والجامعات والنقابات والفضاء السياسي العام، واكثر ما تحتاج هو طمأنة الناس ان هذه التوجه، لا تراجع عنه لا تراجع، فاهم علي جنابك؟!

المقال السابق للكاتب

رفض التطبيع.. أكثر من شعار

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock