أفكار ومواقف

التحديث بالتوافق والديمقراطية والاتصال والتنسيق

التوصيفات الواردة بالعنوان شكلت المعادلة السحرية لنجاح لجنة تحديث المنظومة السياسية في اتمام اعمالها. اديرت النقاشات بطريقة ديمقراطية، حيث الحسم لأي تباين بالآراء بالتصويت إن تطلب الامر ذلك ولم يتحقق التوافق المأمول. حدث التصويت في مرات قليلة والغالبية من النقاشات والخلاصات كانت تتم بالتوافق والاجماع. التوافق والديمقراطية خلقا اجواء ايجابية، اشتبك من خلالها اعضاء اللجنة مع زملائهم، لمحاولة اقناعهم او استمالتهم باتجاه الافكار التي ارادوا من اللجنة ان تقرها، فكان التنسيق والاتصال وسمات اخرى مهمة عرّفت عمل اللجنة داخل اروقتها، ومع القوى السياسية من حولها التي ارادت ممارسة التأثير السياسي المشروع على اعمال اللجنة ومداولاتها. تعامل رئيس واعضاء اللجنة بانفتاح وحضارية وديمقراطية بينيا، واشتباكهم وتنسيقهم الفعال مع المحيط بكافة تبايناته، ادى إلى نتائج ايجابية وبتقديري تاريخية.
ما كان كل ذلك ليتم لولا قرار الدولة الاستراتيجي بضرورة دخول المئوية الثانية بروحية التطور والتحديث، وقد فعلت الدولة ذلك وهي في اقوى حالاتها السياسية ما يعني الكثير من الحكمة والعمق والنظرة الاستراتيجية المستشرفة للمستقبل. وبالرغم من توجه الدولة الواضح، وقرارها العميق بإحقاق التحديث الذي يتناسب مع مئوية الدولة الثانية، تجد ان البعض ما يزال يتحدث عن “صفقات”، وآخرون يتحدثون ان هدف بعض التعديلات والمواد القانونية تحصين الحكومات في وجه الكتل والاحزاب التي ستحظى بأغلبية بالبرلمان، وهذا كله ليس فقط غير صحيح بل فيه نفس نظرية المؤامرة. الاصوات القائلة بذلك لا تبدو بعد قد التقت اللحظة السياسية بدقة.
البعض يعتقد مثلا ان فصل الوزارة عن النيابة اخلال خطير بمفهوم الحكومات البرلمانية، وآخرون يرون ان جعل تعديل بعض القوانين بأغلبية الثلثين هدفه تحصين الحكومة بوجه الاحزاب وكتل الاغلبية المقبلة، وفي الحالتين الامر غير صحيح، وتقليل من شأن التوافقات المهمة التي حدثت. فمن قال يا سادة ان حزبا او احزاب الاغلبية البرلمانية لا تستطيع ان تشارك بالحكومة من خلال اعضاء حزبها من خارج البرلمان، وتلك ممارسة معمول بها بعدد من الديمقراطيات، ومن قال ان اغلبية الثلثين لتعديل بعض القوانين المهمة اتت لتحصين للحكومات، وليس لتحصين الحياة السياسية من حزب اغلبية قد يقرر تجاهل الاقلية ويعدل القوانين على هواه. تخيلوا ان يكون لحزب اغلبية يد مطلقة بتعديل قوانين الاحزاب والانتخاب والهيئات الرقابية والقضائية على هواه فيعدلها بما يتواءم مع مصالحه! بل الافضل وتحصينا للديمقراطية ان يتم تصعيب تعديل مثل هذه القوانين المفصلية للحياة الديمقراطية الحزبية المقبلة في الأردن.
هذه المواد وغيرها ما كانت لتقر لولا قناعة اعضاء اللجنة بضروراتها وتماشيها تماما مع الديمقراطية، ولولا انهم كانوا يفكرون بالمستقبل ويشرعون له، ولم يكونوا حبيسي الحاضر السياسي الذي يحاولون تغييره. الجميع مدعو للتفكير واخذ المواقف بناء على شكل المستقبل الذي نريد وليس الحاضر الذي نسعى لتغييره، وان يستثمروا الاجواء الايجابية ومد يد الدولة للتحديث السياسي لكي يكونوا جزءا من المستقبل لا التاريخ فقط.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock