ترجمات

التحدي الوجودي للصور النمطية

جوناثان ويبر*
ترجمة: موفق ملكاوي

هل هناك أي نقطة تفكير حول ما يجب عمله؟ غالبا ما يقال إن أحكامنا وسلوكنا ينجمان عن الحدس المباشر والمشاعر الجوانية، أما التفكير المنطقي فيحدث، فقط، بعد ذلك. لكن هذا الادعاء يهمل نقطة مهمة، إذ تشير التجارب أيضا إلى أن المنطق يشكل النظام المعرفي الذي ينتج ردودا مستقبلية، وكلما زاد إدراكنا أن شيئا جيدا أو سيئا، سواء كان صوابا أم خطأ، جذابا أو غير جذاب، كلما زاد تأثير هذا الموقف على حدسنا ومشاعرنا.
أرسطو لن يتفاجأ، فأخلاقه ترتكز على فكرته التي تطورها الشخصية بهذه الطريقة على وجه التحديد، إلا أن وجهة نظره لا تشرح كيف يمكن أن يتأثر تفكيرك وسلوكك بالصور النمطية الاجتماعية التي لا تصادق عليها في تفكيرك الخاص. يمكننا فهم هذه العملية بشكل أفضل إذا انتقلنا إلى فكرة “الترسبات” التي طورها ثلاثة فلاسفة فرنسيين في منتصف القرن العشرين.
صاغ موريس ميرلو بونتي مصطلح “الترسبات” في كتابه “ظواهر التصور” (1945). وهو يستخدم المصطلح لوصف عملية أخذ المعلومات عن أجسادنا وبيئتنا بشكل يمكننا من التصرف بذكاء دون الكثير من العناء أو الجهد أو التفكير. يجادل ميرلو بونتي أنه، تماما، كما يراكم أحد الأنهار الجسيمات ويرسبها على شكل تراكيب ترسبية توجه تدفق النهر، فنحن أيضا نجمع المعلومات خلال حياتنا، وهي المعلومات التي تتطور تدريجيا وبدون وعي إلى قاعدة أساسية محددة للتفاهم ترشد سلوكنا.
يساعدنا عمل ميرلو بونتي على معرفة كيف يمكن أن يتأثر سلوكنا بالصور النمطية التي لا نتفق معها، لأنه إذا كانت عملية الترسيب هذه غير حساسة، سواء إذا كنا نتفاعل مع العالم نفسه أو مع وسائل الإعلام التي تمثله، فإن الصور النمطية التي تحدث بانتظام في وسائل الإعلام الخاصة بنا ستصبح متكاملة في نظرتنا للعالم بالتماهي مع معرفة العالم الحقيقي. ولأن ميرلو بونتي ركز على المعرفة، فإنه لم يطور نظرية للأهداف والدوافع في الترسبات. اقترح أن ذلك قد يذهب بها إلى أن تصبح رسوبية بطريقة مشابهة للمعرفة، لكنه لم يستكشف الفكرة بالتفصيل.
من أجل سرد كيفية تأثر سلوكنا دون جهد بدوافعنا المعتمدة بشكل متكرر والقوالب النمطية الاجتماعية التي لا نؤيدها، يمكننا أن ننتقل إلى الكتابات الوجودية لسيمون دي بوفوار وفرانس فانون. توضح دي بوفوار نسختها من الترسب بشكل كامل في كتابها “الجنس الثاني” (1949). ينصب تركيزها على كيفية تطوير أهدافنا وقيمنا. الفتيات والفتيان تربوا بتوقعات وحوافز مختلفة، ولذلك يتم تشجيعهم باستمرار على التفكير والتصرف بطرق تتناسب مع جنسهم المعين. يطلب من الفتيات الاستجابة لبيئاتهن بطرق مبهجة ومفيدة، بينما يتم تشجيع الأولاد على استكشاف هويتهم والسيطرة عليها.
هذه التوقعات تشكل الأهداف والقيم التي نتابعها عبر الطفولة والمراهقة، وتجادل دي بوفوار بأن هذا التأييد المتكرر لنفس الأهداف والقيم يدمجها في أنظمتنا الإدراكية من خلال الترسيب، فلأن الفتيات والفتيان يخضعون لتوقعات مختلفة، فإننا نطور مجموعات من الأهداف والقيم التي تراعي الفوارق بين الجنسين. دي بوفوار جادلت بأن العملية نفسها تتضمن أيضا نماذج نمطية جنسوية في نظرتنا. مع ترسب أهدافنا وقيمنا من خلال التكرار، كذلك تفعل استراتيجياتنا لتحقيقها. هذه الاستراتيجيات تعمد إلى ترميز المعلومات التي تساعدنا على التنقل في عالمنا. وتشمل هذه المعلومات الصور النمطية للجنسين التي يتوقع من الناس أن يعيشوا بها.
هذه القوالب النمطية الخاصة بالنوع الاجتماعي نفسها تصبح رسوبية في أذهاننا إلى جانب الأهداف والقيم التي تجعل سلوكنا متوافقا، إلى حد ما، مع تلك الصور النمطية. ويرجع السبب في ذلك إلى أن القوالب النمطية نفسها قد أصبحت جزءا لا يتجزأ من جذورها، كما تقول دي بوفوار، وهي أنها تستمر في الطرق التي نربي بها الجيل القادم. وللسبب نفسه، من الصعب تجنب تجسيد هذه الأفكار النمطية في التفكير والعمل، حتى عندما نرفضها صراحة.
بالنسبة إلى فانون، فهو قدم رواية مماثلة عن أصل الهوية العنصرية في كتابه “الجلد الأسود.. الأقنعة البيضاء” (1952). وصف فانون القصص والأفلام الشائعة في الطفولة عبر فرنسا والمستعمرات الفرنسية في النصف الأول من القرن العشرين، بما في ذلك نشأته في مارتينيك. تميل تلك المرويات إلى إظهار الأوروبيين على أنهم يتمتعون بالبطولة والرقي، وعلى النقيض من ذلك تماما تم تقديم الأفارقة، الذين كانت تظهرهم على أنهم أدنى منزلة وخطرون.
جميع الأطفال في فرنسا والمستعمرات الفرنسية، بغض النظر عن لون الجلد، تم تعليمهم صراحة في المدرسة ليعتبروا أنفسهم فرنسيين، وبالتالي أوروبيين. لقد تعلموا التاريخ الأوروبي والأدب، وتم تشجيعهم على وضع أهداف وقيم تتوافق مع هذه الهوية الأوروبية. جادل فانون بأن دمج ذلك مع الصور في القصص والأفلام غرس فكرة التفوق الأوروبي والدونية الإفريقية في كل شخص نشأ بهذه الطريقة.
ليس من قبيل المصادفة أن كل من دي بوفوار وفانون وميرلو بونتي جميعهم طوروا نسخا من فكرة الترسيب. دي بوفوار وميرلو بونتي كانا صديقين منذ فترة الدراسة، وقد طورا أنواعا مختلفة من الترسيب في مناقشة استمرت على مدار 15 عاما. أما فانون فطور نسخته أثناء دراسته في جامعة ليون، حيث حضر محاضرات ميرلو بونتي.
إن صيغة الترسيب التي ناقشتها دي بوفوار وفانون هي الوجودية على وجه التحديد. إنها دوافعنا المختارة، جنبا إلى جنب مع الاستراتيجيات والمعلومات للعمل عليها، والتي تصبح رسوبية. لكن أفكارنا وأهدافنا الرسوبية ليست التأثيرات الوحيدة على تفكيرنا. من خلال النظر في أفكار الآخرين أو تناول منظور نقدي لأفكارنا الخاصة، يمكننا صياغة استنتاجات على خلاف مع نظرتنا الرسوبية. وهذا يفسر لماذا يمكن لجوانب السلوك الغامض إظهار صور نمطية مرسومة لا نؤيدها. لكنه يشير أيضا إلى كيف يمكننا السيطرة على الحدس والمشاعر التي تدفع هذه الجوانب من سلوكنا.
إذا كانت وجودية دي بوفوار وفانون صحيحة، فنحن، إذن، لسنا دمى الأيديولوجيات الموروثة. يمكننا أن نفكر في المواقف الأكثر أهمية بالنسبة لنا، ويمكننا إصلاح بيئاتنا الاجتماعية. في كلا الاتجاهين، يمكننا إعادة تشكيل النظرة الرسوبية التي توجه سلوكنا.

  • رئيس كلية الفلسفة في جامعة كارديف، ورئيس الجمعية البريطانية للنظرية الأخلاقية، ورئيس جمعية سارتر البريطانية، وعضو مجلس المعهد الملكي البريطاني للفلسفة.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock