ترجمات

التحرر من استعمار جيمس بوند

فوزية أفضل-خان* – (كاونتربنش) 3/11/2021

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

كان من الرائع الذهاب إلى السينما لأول مرة منذ ما يقرب من عامين من الإغلاق الناجم عن “كوفيد”. الجميع ملثمون بأقنعة الوجه. والعثور على مقاعد من دون وجود أي أشخاص آخرين بالقرب منا، والبوشار والصودا والفول السوداني المغموس بالشوكولاته في متناول اليد، شعرت بأن هذا كله مثير للغاية، خاصة مع مشاهدة فيلم بوند الأخير مع النجم دانيال كريغ في دور العميل 007. وقد اسمتعنا، زوجي وأنا، مثل كثيرين آخرين بالجدية الرصينة التي جلبها هذا الممثل إلى الدور منذ ظهوره لأول مرة فيه منذ أكثر من عقد ونصف، في أداء مختلف للذكورة عن التجسيدات السابقة، متخليًا عن خاصية الإغواء والإثارة اللذين ميزا الجاسوس المغرق في البريطانية، من دون التضحية بالإثارة التي ينطوي عليها مشهد الرجل بالمسدس الذهبي.
كان الغموض الفظيع نفسه ما يزال موجوداً، ولكن مع فيلم “كازينو رويال” Casino Royale الذي هيأ لحقبة كريغ، أصبح من الواضح أن مثل هذا الموقف كان قناعًا يخفي رجلًا حقيقيًا، وليس صورة كاريكاتورية لرجل؛ رجلاً يستطيع، بل إنه وقع فعلياً في الحب بعمق وبشكل حقيقي، وتعرض للخيانة، وبالتالي طور الحواف الفولاذية لسحر بوند وغموضه كدرع لحماية نقاط ضعفه البشرية للغاية. وعلى نحو بعيد كل البعد عن الجاذبية المثيرة اللطيفة التي أتقنها بوند الأصلي كما لعبه شون كونري، تم تعديل الدور والصورة هنا وهناك، مع عدد أكثر أو أقل من الإيماءات والغمزات التي تشير إلى الفحولة التي حددت جوهر بوند، لكنها ظلت سليمة بشكل أساسي على مدى ما يقرب من نصف قرن من جنون بوند قبل أن يقوم بتسليم العصا إلى كريغ.
ولكن، مع ظهور هذا الفصل الأكثر جدة من تاريخ بوند في العام 2006، بدأت الأفلام تعكس روح العصر المتغيرة للقرن الحادي والعشرين، مع وجود السيدة جودي دينش كرئيسة لجهاز MI6، وهي امرأة سوداء مثيرة في دور “موني بيني” التي لم تعد تظهر كسكرتيرة طويلة المعاناة متلهفة على “جيمس” الخاص بها -وفي هذه الحلقة الأخيرة من الملحمة- نحصل على مؤشر واضح آخر على المدى الذي تغير به العالم من خلال رؤية بوند وهو يحل محله جاسوس 007 آخر هو امرأة سوداء حادة ومثيرة، بينما أصبح “م”، على الرغم من أن رجلاً يلعب دوره مرة أخرى (لعبه رالف فينيس في الأفلام القليلة الماضية) -متعباً، عجوزاً، وأصبح، كما يقول بوند، رمزياً “أصغر”.
على الرغم من أن عنوان الفيلم يعد بخلاف ذلك، حيث يهدهد الجماهير ويغويهم إلى الاعتقاد بأن بوند سوف يستمر إلى الأبد- إلا أنه يكذب. ربما لا يكون لدي بوند الوقت للموت لأنه في الحقيقة منشغل، كالعادة، بإنقاذ العالم من الأشرار -بعد أن أُجبر على الخروج من التقاعد الذي كان قد دخله في أعقاب التعرض إلى خيانة أخرى مفجعة. ولكن، على نحو مؤسف بالنسبة له، استمر العالم في المضي قدُماً. وعلى الرغم من علمه بأن المرأة التي اعتقد أنها خانته لم تفعل ذلك في الواقع، وأنه في الحقيقة هو والد ابنتها، فإنها ليست هناك نهاية عائلية سعيدة شافية لتعويض رجلنا، بوند. وعلى الرغم من -أو ربما لأن- جسده الذكوري الأبيض المنحوت بشكل جميل يرفض التوقف عن لعب دور المنقذ -يجب أن توقفه الصواريخ نفسها التي ترمز إلى الدول القوية التي دافعت مهماته عنها طوال حياتنا.
في حين أن جيلي قد يحزن على رحيل عصر بوند بسبب حنين في غير محله إلى ما كنا عليه، فإنني، بالتأكيد، أجد نفسي الآن أفكر: إنه لأمر جيد أن تفسح مفارقة بوند التاريخية الطريق لشيء جديد ومتزامن إلى حيث يتجه العالم الآن (كما آمل في لحظاتي المتفائلة). نعم، بالطبع يشعر الجزء الطفل فيّ بالحزن لدى الاعتراف بأن عصر أمي وأبي من الرومانسية الضاحكة، والذي لا ينفصل عن “من روسيا مع الحب”،(1) قد انتهى إلى غير رجعة.
إن حنيني الخاص إلى أفلام بوند هو شوق إلى والديّ؛ إلى عالم لم يكن أبداً لي، ولا كان لهما حقًا. كان خيالًا استعماريًا، وقد حان الوقت لكي يطلق القائد بوند سراحنا منه. لذلك يجب أن نكون شاكرين لأنه يموت، تماماً في الوقت المحدد. وإليكم عالماً لما بعد بوند، حيث لا يجد بوند فحسب، بل رفيقه في وكالة المخابرات المركزية أيضًا، أن هذا هو الوقت المناسب للموت -ما يمنح العالم الأمل في مستقبل يقطنه عدد أقل وأقل من جنود وجواسيس الإمبراطوريات المحتضرة.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Decolonizing James Bond

  • فوزية أفضل خان: باحثة جامعية متميزة في جامعة ولاية مونتكلير في نيوجيرسي. أحدث كتاب لها هو Siren Song:Understanding Pakistan Though it’s Women Singers.

(1) “من روسيا مع الحب” From Russia with Love هو فيلم تجسس بريطاني أنتج في العام 1963 والثاني في سلسلة جيمس بوند من إنتاج شركة Eon Productions، إضافة إلى دور شون كونري الثاني بصفته جاسوس MI6 جيمس بوند. أخرجه تيرينس يونغ، وأنتجه ألبرت ر. بروكولي وهاري سالتزمان، وكتبه ريتشارد مايباوم وجونا هاروود، استنادًا إلى رواية إيان فليمنج للعام 1957 التي تحمل الاسم نفسه.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock