أفكار ومواقف

التحوط لقابل الأيام

تشير الدراسات الدولية والاقليمية إلى أن اللاجئين في أي دولة عندما تنتهي أزمة بلادهم، يعود نصفهم فقط إلى ديارهم وذلك بعد عدة أعوام، فيما يبقى النصف الآخر في البلد المستضيف… وهذا ما أكده مؤخرا استطلاع للرأي أجراه مركز نماء للاستشارات الاستراتيجية بأن نحو 54 % من اللاجئين السوريين المتواجدين في المملكة لن يعودوا إلى بلادهم، فيما يرى مقابل ذلك 87 % من الأردنيين بأن “على اللاجئين السوريين العودة إلى سورية”.
إن هذه النسبة من اللاجئين السوريين يقدر عددها بحوالي 750 ألف لاجئ، فالأرقام الرسمية الأردنية تؤكد أن المملكة تحتضن ما يقرب من الـ1.3 مليون لاجئ سوري.. الأمر الذي يُرتب أعباء كثيرة على الأردن، وخصوصا فيما يتعلق بالأمن والتعليم والصحة والبنى التحتية، ناهيك عن فرص عمل كثيرة أصبحت بعيدة المنال عن الأردنيين نتيجة ذهابها إلى هؤلاء اللاجئين.
على الدولة ومسؤوليها التنبه لهذه النقطة جيدا، فعملية احتضان هذا الرقم من البشر، على اختلاف عاداتهم وتقاليدهم وأفكارهم وتوجهاتهم ومعتقداتهم، وعلى مدار أعوام قد تمتد إلى عقود، أمر صعب، لا بل وفي غاية الصعوبة، وخاصة في ظل الإمكانات المتواضعة للأردن ومؤسساته التي باتت في وضع صعب، نتيجة عدة عوامل أهمها: الترهل الإداري وعدم الكفاءة وعدم الانتماء للمؤسسة، فضلًا عن ارتفاع الأسعار بشكل جنوني وتآكل الدخول وتزعزع الاقتصاد الوطني.
صحيح بأن لدى الأردن، كما تؤكد المستطلعة آراؤهم، عوامل جذب تحفز اللاجئين على البقاء في البلاد، لكن هناك أمورا تصل أهميتها إلى نفس درجة احتضان اللاجئ الذي فر من ويلات الحروب والاضطرابات والجماعات الإرهابية، أهمها إعداد العدة للتكيف مع الوضع الجديد.
وعلى عكس المواطن الأردني، الذي يرزح تحت بطالة أو فقر أو وظيفة أو عمل يكاد بالعافية يسترزق منها، فإن اللاجئ السوري لديه أكثر من طريقة للحصول على دخل ،فهو إما أن يحصل على دخوله من خلال المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أو عن طريق عمل قانوني أو حتى عمل غير قانوني.
على مسؤولي هذا البلد أن يعدوا بكل ما استطاعوا من قوة، خرائط طرق للتعامل مع الوضع الجديد، كوضع خطة للنهوض بالاقتصاد، والعمل على جذب مزيد من الاستثمارات وإقناع المستثمرين الأجانب والعرب بجدوى الاستثمار بالأردن، وإيجاد حل لمشكلتي البطالة والفقر أو على الأقل المساهمة بتقليل نسبتهما، ومعالجة تراجع التعليم والخدمات الصحية.
إلى جانب العمل وبكل جهد ومثابرة لإقناع المجتمع الدولي بأن هذا العدد من اللاجئين السوريين الذين يرفضون فكرة العودة إلى بلادهم، يحتاج الكثير من حشد دعم الدول المانحة والمستثمرين، وخصوصًا في المجالات التعليمية والصحية والبنى التحتية، بُغية تعزيز القدرة على الاعتماد على الذات وبالتالي إنعاش الاقتصاد الوطني.
ما يسهل هذه المهمة أننا مقبلون على مؤتمرين مهمين يتعلقان بهذا الشأن، الأول في العاصمة البريطانية لندن ويعقد بشهر شباط المقبل لدعم الاقتصاد والاستثمار في الأردن، والثاني في العاصمة البلجيكية بروكسل ويعقده الاتحاد الأوروبي بشهر نيسان المقبل، حول دعم مستقبل سورية والمنطقة.
يبدو أننا مقبلون على أيام، إن لم تكن أعواما صعبة وسوادها حالك، فيها من المنغصات ما يكفي.. فالدولة عليها من جهة التعامل مع مشكلة اللاجئين بما فيها من سلبيات وأضرار قد تقسم الظهر في حال لم نُحسن التصرف معها ومع تبعاتها.
ومن جهة ثانية، على الدولة التعامل وبكل عقلانية مع الأوضاع الداخلية الصعبة، بسبب قانون ضريبة الدخل الذي أثقل كاهل المواطن وارتفاع الأسعار، وزيادة خط الفقر والفقراء وبدء انتهاء الطبقة الوسطى والتي تُعتبر الأساس لاستقرار البلد.
مع ما يصاحب ذلك من ضغوط خارجية تتزايد يومًا بعد يوم لتمرير ما يُعرف بـ”صفقة القرن”، والخشية قبل ذلك من انهيار السلطة الفلسطينية، الأمر الذي قد يؤدي إلى نزوح آلاف جديدة إلى الأردن.. وكل ذلك يتطلب “مكوكيات” عربية وإقليمية ودولية لوضع حد للغطرسة الإسرائيلية وبناء المستوطنات التي تعمل لطمس أو تغيير الهوية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock