ترجمات

التحولات التاريخية الخمسة التي ستشكل 2019

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

فريدريك كيمبي* – (مجلس الأطلسي) 12/1/2019
بعد عودتي إلى واشنطن العاصمة من إجازة تزلج في كولورادو، يخطر لي الآن أن السنة المخادعة المقبلة التي نواجهها -المبقعة بالمخاطر السياسية والاقتصادية والأمنية- تقدم كل التحديات التي يمكن أن يعرضها مسار تزلج من نوع “الألماس الأسود المزدوج”.(1)
وتوضع شواخص مثل هذه المنحدرات لتحذير المتزلجين من أنهم يتقربون من تضاريس سوف تكون أكثر انحداراً، وضيقاً، ووعورة ووفرة في المهاوي من كل ما عداها، والتي لا يستطيع اجتيازها سوى المتزلجين الأكثر خبرة، والتي تصبح أقل قابلية للتنبؤ أيضاً بسبب التغيرات المتكررة في الطقس. وتشمل عقباتها المخيفة أشياء مرئية (مثل الأشجار) وأخرى غير مرئية (الصخور المغطاة بالثلوج).
يبدو هذا مجازاً جيداً لسنة ربما يكون التقلب خلالها هو اليقين الوحيد بالنسبة لصانعي السياسات وقادة الأعمال والمستثمرين. وقد تكون هذه أخباراً جيدة بالنسبة لأنواع صناديق التحوط المصممة للاستفادة من تقلبات الأسعار، وبذلك يمكن أن تكون هذه سنة جيدة لها. أما بالنسبة لمعظم البقية منا، فتوقعوا أشهراً من التوتر ونوبات الصداع.
وقد حدَّدت الأيام القليلة الأولى التي انقضت من العام 2019 النغمة مسبقاً، فهبطت أسواق الأسهم وحلقت في الأيام الأولى للتداول. وقد تراجعت بسبب المخاوف المتنامية من حدوث تباطؤ عالمي والتعرض لضربة اقتصادية من التوترات التجارية الأميركية-الصينية، فقط لترتفع مرة أخرى بسبب الأرقام الجيدة للوظائف الجديدة في الولايات المتحدة، أو متشجعة من تغريدات ترامب. ومع ذلك، تظل المخاطر كامنة خلف كل زاوية في العالم.
هل تتحول قصة ترامب عن النمو إلى قصة ميتة وفاشلة في وجه الاضطرابات المحلية: تحقيق مويلر؛ التهديد ببدء إجراءات الإقالة ضد الرئيس؛ والسياسة الفيدرالية لأسعار الفائدة؟ هل ستخرج المملكة المتحدة متعثرة من الاتحاد الأوروبي أم أنها ستبقى فيه من خلال إجراء “تصويت شعبي”؟ هل سينتهي القتال التجاري الأميركي-الصيني بإبرام صفقة، أم أنه سيتصاعد إلى شيء أسوأ؟ هل سيؤشر انسحاب ترامب من سورية على أميركا جديدة كحليف أقل قابلية للتنبؤ بتصرفاته؟ وهكذا.
تبقى قائمة المخاطر متنامية. وقد عرض عدد من الخبراء الجيدين مسبقاً “أعلى عشرة” في رأس القائمة من هذه المخاطر حسب رؤيتهم للعام 2019: ولذلك، وبدلاً من إضافة قائمتي الخاصة، سأقدم فيما يلي خمس نقاط انعطاف تاريخية تجدر مراقبتها في الأشهر المقبلة؛ أو حفنة من التحولات المغيّرة للتاريخ التي يتعقبها هذا المقال.

  1. التحول من انخراط تجاري أميركي-صيني إلى تنافس استراتيجي
    كان التحول الجيوسياسي الأكثر أهمية في العام الماضي هو انتهاء حقبة من التعاون الأميركي-الصيني المتوسع واستبداله بحقبة من المنافسة. وفي العام 2019، سوف تتجسد هذه المنافسة في المجالات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية.
    يحتمل كثيراً أن يصل الرئيسان، ترامب وشي، إلى هدنة تجارية بحلول الموعد النهائي في آذار (مارس)، بما أن ذلك سيصب في مصلحة الطرفين. ومع ذلك، فإن على الأسواق أن تتعامل مع ما يصفه روبرت د. كابلان في مجلة “فورين بوليسي” بأنه حرب صينية-أميركية باردة، والتي “تصبح المبدأ المنظم السلبي للجغرافيا السياسية”.
    على كلا الجانبين، يستعد القادة لخوض منافسة جيلية، والتي يمكن أن تشكل عصرنا، وتتطلب أيدٍ ثابتة وتحالفات قوية.
  2. التحولات الهيكلية تغلف الاقتصاد العالمي
    تؤكد مخاوف الأسواق في الأيام القليلة الأولى من العام 2019 تصاعد القلق من حدوث تباطؤ اقتصادي عالمي، لكن المخاطر الأكبر تبدو هيكلية وطويلة الأمد.
    يكتب البنك الدولي في تقريره عن “آفاق الاقتصاد العالمي” الصادر حديثاً: “أصبحت آفاق الاقتصاد العالمي أكثر قتامة. وأصبحت المخاطر السلبية أكثر حدة وتنطوي على احتمال حدوث تحركات غير منتظمة في الأسواق المالية، وتصعيد في النزاعات التجارية”. ومع ذلك، يعتقد معظم الخبراء أن العام 2019 سينتج فقط تباطؤاً دورانياً خفيفاً من النوع الذي يتطلبه العالم من حين إلى آخر. بينما يكون التضخم ضعيفاً، ومعدلات الفائدة الحقيقية منخفضة، وأسعار الأسهم الأميركية جذابة.
    أما الأكثر إثارة للخوف فهو التحولات الهيكلية التي تكمن خلف هذا التصحيح، مدفوعة بالتغيرات التكنولوجية. سوف تستمر اللامساواة في التصاعد، وسوف تتراجع الوظائف في قطاع التصنيع، ويمكن أن تتزايد السياسات القومية والشعبوية. ويكتب مارتن وولف في صحيفة “الفايننشال تايمز” عن “تآكل النظام الاقتصادي العالمي الليبرالي”.
  3. تراجع التفوق الأميركي
    تركز وسائل الإعلام الأميركية على الصراعات السياسية الداخلية التي لا حصر لها للرئيس ترامب. ومع ذلك، سافر إلى الخارج وستجد أن السؤال الذي يطرحه الحلفاء والخصوم على حد سواء عن المدى القصير يدور حول مدى إمكانية التنبؤ بسلوك إدارة ترامب. أما مكمن قلقهم طويل الأمد فهو أن ترامب ربما يكون عرَضاً وليس سبباً لتراجع عن حمل عبء المسؤولية العالمية والقيادة التعاونية مع الحلفاء. ويمكن أن تكون هذه الصورة مربكة.
    يقول القادة في الشرق الأوسط في الأحاديث الخاصة إن قرار الرئيس ترامب المفاجئ بسحب القوات الأميركية من سورية، من دون استشارتهم، قد هز ثقتهم في قابلية الولايات المتحدة للتنبؤ بسلوكها. وفي الوقت نفسه، في القاهرة هذا الأسبوع، طمأن وزير الخارجية الأميركية، مايك بومبيو، الحلفاء بتعهده بأن الولايات المتحدة لن تنسحب حتى هزيمة “داعش” ومواجهة إيران.
    وقال بومبيو: “لقد تعلمنا أنه عندما تنسحب الولايات المتحدة، فإن الفوضى عادة ما تتبع. وعندما نهمل أصدقاءنا، فإن مشاعر الاستياء تتصاعد. وعندما نتشارك مع الأعداء، فإنهم يتقدمون”. في العام الذي سيشهد الذكرى السبعين لإنشاء حلف شمال الأطلسي، هل ستتخذ الولايات المتحدة إجراءات في أنحاء العالم للبناء على التحالفات التي شكلت النظام العالمي لما بعد الحرب العالمية الثانية؟ أم أن هذه التحالفات ستتآكل –هي وتفوُّق الولايات المتحدة معاً؟
  4. سنة حاسمة لأوروبا
    سوف تختبر السنة الجديدة حدود التكامل الأوروبي. فسوف يجلب مزيج من الانتخابات البرلمانية للاتحاد الأوروبي في أيار (مايو)، وإضعاف القادة الوسطيين في كل من فرنسا وألمانيا، وتواصل صعود اليمين القومي الأوروبي، ما يصفه فريدريك إريكسون في “ذا سبيكتيتور” بأنه “عام ذروة الفيدرالية. ربما تكون حقبة ‘عدم إمكانية تحقق اتحاد أوثق أبداً’ على وشك البدء”.
    يكسب الشعبويون في أوروبا الجاذبية كقوة دائمة في السياسة الأوروبية. وهم ليسوا قوة متماسكة، لكنهم يلتقون، بينما يكسبون المزيد من القوة، حول هدف مشترك لا يعارض عضوية الاتحاد الأوروبي، وإنما يسعى إلى تحقيق المزيد من الاستقلال الذاتي الوطني.
    كما تستمر دراما الخروج البريطاني هذا العام أيضاً. وتتراوح الاحتمالات بين صدمة اقتصادية يخلفها خروج بلا صفقة، وبين “تصويت شعبي” من أجل البقاء، مع ما ينطوي عليه ذلك من تداعيات جيلية.
  5. تآكل القواعد وصعود الرجال الأقوياء
    سوف تكون هذه سنة لمراقبة المدى الذي يجرؤ فيه الرجال الأقوياء على توسيع مكاسبهم، بالنظر إلى تآكل القواعد العالمية التي تقيِّدهم وتراجع شرطي العالم في واشنطن، الذي سبق ترامب بفترة طويلة.
    راقِب أعمال الرئيس بوتين في أوكرانيا في أعقاب التوغلات الروسية في بحر آزوف، ووسط هبوط شعبيته في الداخل، بينما تواجه كييف انتخابات رئاسية حاسمة في آذار (مارس). وتعقّب أيضاً الرئيس الصيني شي جين بينغ بينما يتعامل مع التباطؤ الاقتصادي بمزيج من التحفيز الاقتصادي والقومي.
    يكتب روبرت مالي، الرئيس والمدير التنفيذي لمجموعة الأزمات الدولية، في مراجعة نشرتها مجلة “فورين بوليسي” لنقاط الاضطراب في العام 2019: “الريح الآن في أشرعة الرجال الأقوياء في جميع أنحاءالعالم”. ربما يكون الخطر الأكبر الذي يحمله العام 2019 هو وقوع الرجال الأقوياء في خطأ للحسابات بينما يختبرون الحدود.
    في كولوروادو قبل بضعة أيام، تهللت ابنتنا يوانا -10 سنوات- عند قاع مسار تزلج ماسي أسود مليء بالعقبات والأخاديد. وقالت، وهي تتحدث إلى كاميرا: “كان ذلك مقوّياً للغاية! كاحليّ يقتلاني، لكن الأمر كان يستحق العناء”.
    يمكن للسنوات من نوع مجازات الماس الأسود المزدوج أن تشكل التاريخ، سواء كان ذلك للأفضل أو للأسوأ. وبذلك، سلّم شواغلك لخبير -وسنة سعيدة جديدة.

*الرئيس والمدير التنفيذي لمجلس الأطلسي.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Five Historic Shifts That Will Shape 2019
(1) Double black diamond، الماس الأسود المزدوج، هي مسارات تزلج على الثلج، صعبة جداً وللخبراء فقط. وهي أصعب من مسارات “الماس الأسود” بسبب المنحدرات الأكثر حدة والمخاطر المختلفة، مثل ضيق الطرق والتعرض للريح ووجود عقبات مثل المهاوي والأشجار والصخور المختفية تحت الثلج.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock