آخر الأخبارالسلايدر الرئيسيالغد الاردني

“التخصص الجامعي”: معضلة للطلبة تربك قرارات رسم المستقبل

آلاء مظهر
عمان – رغم أننا على أبواب الدخول إلى العشرينية الثانية من القرن الحادي والعشرين، إلا أن عملية اختيار التخصص الجامعي المناسب، ما تزال “مشكلة” تواجه الكثير من طلبة شهادة الدراسة الثانوية العامة (التوجيهي)، وفق خبراء تربويين عزوا سبب ذلك إلى “افتقار” الطلبة للخبرة والمعرفة الكاملة بنوعية التخصصات الجامعية ومدى ملاءمتها لميولهم ورغباتهم.
وأوضح هؤلاء الخبراء، في أحاديث منفصلة لـ”الغد”، أن غياب التوجيه والإرشاد التربوي خلال مراحل مبكرة في التعليم “ساهم في تفاقم هذه المشكلة، لا سيما حين يكون للأسرة والأصدقاء تأثير كبير على الطالب في تحديد مستقبله العلمي والمهني”.
وقالوا إن عملية إعداد مواطن قادر على اتخاذ القرار لرسم مستقبله، تتطلب البدء في إرشاد وتوجيه الطلبة حسب ميولهم وقدراتهم ومهاراتهم التي نمت معهم، واختيار صنوف المعرفة التي تتوافق مع ميولهم واهتماماتهم وحاجاتهم، وكذلك في أسلوب التعلم الذي يناسبه.
وأكدوا أن الجامعات يقع على عاتقها مسؤولية أن تضع الطلبة في الصورة المستقبلية للتخصصات المتاحة في الكليات المحلية والدولية، والشروط المطلوبة لكل تخصص، ومدة الدراسة، وتعممها على الطلبة في نهاية المراحل الأساسية العليا أو بداية المرحلة الثانوية، داعين الجامعات إلى ضرورة تزويد الخريجين بمهارات صناعة العمل لا المطالبة بتوفير العمل.
المدير السابق لإدارة التخطيط التربوي في وزارة التربية والتعليم الدكتور محمد أبو غزلة قال إن الاختيار الأنسب للتخصص الدراسي له الأثر الكبير في رسم معالم المستقبل الوظيفي للطلبة بعد تخرجهم من الجامعة، خصوصًا إذا بني هذا الاختيار على معايير علمية صحيحة تجعله أقرب للصواب وأكثر ملامسة لاحتياجات المتعلمين وإمكاناتهم.
وأضاف أن غياب الأجواء العلمية والمعلومات الدقيقة، وتتداخل عدة عوامل في اختيار التخصص الدراسي منها: الأسرة والأصدقاء والجامعة والعادات والأعراف، وسيادة بعض المفاهيم الخاطئة، جعلت من الاختيار الصحيح للتخصص أمرًا شائكًا، يترك الطالب في حيرة بين ميوله، ورغبات أسرته، والإمكانات المتاحة أمامه.
وشدد أبو غزلة على أهمية إعادة النظر ببنية السلم التعليمي للنظام التربوي، واعتماد نظام الشجرة التعليمية إذا ما أردنا أن نحل مشكلة الاختيار غير المناسب أو التخصصات الراكدة، وبالتالي البطالة، مشيرًا إلى أنه يمكن أيضًا تحديد سن معينة للتوجيه حسب الميول والقدرات والمهارات، وليكن سن الثانية عشرة، لأنه يتيح فرصًا تعليمية متنوعة ومرنة ومستمرة أمام الطلبة، ويحقق لهم فرص التعلم لتأهيلهم وإعادة تأهيلهم وفقًا لقدراتهم وإمكاناتهم، كما تفعل بعض الدول، وبما يمكنهم من اختيار تخصصاتهم المستقبلية.
وتنطوي فكرة الشجرة التعليمية، بحسب أبو غزلة، على جذع أساسي واحد يمر به كل الطلبة في مراحل تكوينهم الأولى، وفيها يتعلم الطالب وسائل التعليم الأساسية، كالقراءة والكتابة والتعبير الشفهي، وحل المشكلات والحساب والمضامين الأساسية للتعلم، كالمعرفة والمهارات والقيم.
ثم بعد الجذع تأتي الفروع والأغصان، وهي تمثل أنماطًا من المعارف المتنوعة، فكل طالب داخل النظام التعليمي، وفق هذا المفهوم غير مجبر على دراسة معرفة معينة، بل إن لديه الحرية في اختيار صنوف المعرفة التي تتوافق مع ميوله واهتماماته، على ما أضاف أبو غزلة.
وأوضح أبو غزلة أنه من أجل إعداد مواطن قادر على اتخاذ القرار لرسم مستقبله، لا بد من البدء في إرشاد وتوجيه الطلبة حسب ميولهم وقدراتهم ومهاراتهم التي نمت معهم، واختيار صنوف المعرفة التي تتوافق مع ميولهم واهتماماتهم وحاجاتهم، وكذلك في أسلوب التعلم الذي يناسبه.
وذكر أنه في حال إصرار الوزارة على الالتزام بالسلم التعليمي الحالي، فإنه يمكن أن تبدأ مرحلة توجيه الطلبة من المرحلة الأساسية العليا، وبما تتناسب صنوف المعرفة في هذه المرحلة مع اهتمامات وقدرات ومهارات وميول واستعدادات الطلبة، وما يحتاجه سوق العمل، وتوجهاته المستقبلية ليتمكنوا من الاختيار السليم في نهاية المرحلة الثانوية.
وفيما يتعلق بدور الجامعات، أكد أبو غزلة ضرورة أن تضع الطلبة في الصورة المستقبلية للتخصصات المتاحة في الكليات المحلية والدولية، والشروط المطلوبة لكل تخصص، ومدة الدراسة والجهات الحكومية أو الأهلية التي تستقطب كل تخصص وتعممها على الطلبة في نهاية المراحل الأساسية العليا أو بداية المرحلة الثانوية على الأقل، وأن تتبنى اختبارات المهارات والقدرات والميول لتوجيه الطلبة حسب التخصصات وتفعل دور المرشدين الأكاديميين.
كما أكد أهمية قيام الوزارات والمؤسسات، مثل المؤسسات المعنية بالتعليم المهني والفني والتقني المعنية بالموارد البشرية، بإجراء الدراسات المستقبلية في احتياجات السوق المحلي والدولي للوظائف، وتحديد فرص العمل المستقبلية بالتعاون مع القطاع الخاص وتطوير سياسات للموارد البشرية ووضع الخطط وتعممها بوسائلها المختلفة على الطلبة.
ولفت أبو غزلة إلى أنه يمكن للطلبة اعتماد الأسس التالية في اختيار التخصص المناسب لهم، والمتمثلة في الميول والاهتمام والرغبة للطالب في التخصص، والقدرات والإمكانات المتوفرة لدى الطالب والتي تتناسب مع التخصص، والتعرف على فرص العمل المستقبلية من التخصصات واحتياجات سوق العمل من التخصصات وتصورات الطالب عن تخصص ما وطموحه المستقبلي، ومعرفة إمكانات الدخل الوظيفي للتخصص في المستقبل.
بدوره، قال الخبير التربوي ذوقان عبيدات إن مسؤولية الدولة “توفير جامعات وتخصصات مرتبطة بسوق العمل، وعندها سيتوجه الطلبة تلقائيًا إلى التخصصات المطلوبة”، مبينًا “أنه في ظل غياب الاهتمام بمستقبل الطلبة امتلأت الجامعات برؤساء ومجالس أمناء لم يقدم معظمهم أي إضافة للتعليم والمجتمع”.
وأضاف “كلنا نعرف بأن التعليم العالي والمدرسي في تراجع تام، لدرجة أنه لم يستطع تحقيق أبسط الأهداف، حيث ركزت الجامعات والمدارس في الأردن على هدف سطحي جدًا وهو تلقين الطلبة مجموعة حقائق ومعلومات”، مؤكدًا أنها في ذلك “فشلت” أيضًا.
وتساءل عبيدات عن كيفة النجاح في تحقيق أهداف تنموية، مثل ربط التعليم بالتنمية، وحول كيفية تزويد المجتمع بالكفاءات بدلًا من الشهادات، موضحًا “أن الجامعات لا يتوفر فيها الخطط والاستراتيجيات والدورات، إذ أنه من غير الممكن أن تربط نفسها بسوق العمل، خصوصًا وأن الجامعات لم تقم بدراسة متطلبات سوق العمل”.
كما أكد ضرورة ان تطبق الجامعات منطقًا جديدا يتمثل بتزويد الخريجين بمهارات صناعة العمل، لا المطالبة بتوفير العمل، خاصة إذا كان سوق العمل متغيرا، حيث أن 70 % من الأعمال ستتغير خلال 15 عامًا، وإن الإنسان يقضي بالعمل 8 ساعات فقط خلال اليوم الواحد، فـ”هل يجب أن نعده للعمل أم الحياة؟”.
وأوضح عبيدات “نريد خريجًا ينتج العمل بنفسه، بدلًا من انتظار الأعمال والوظائف”، داعيًا الجامعات إلى ضرورة أن تبني خططها وفقا لهذا الأمر.
من جانبه، أكد الاستشاري النفسي والتربوي الدكتور موسى مطارنة ضرورة تغيير ثقافة المجتمع، والتي تتمحور حول أن الابن يجب أن يحمل نفس تخصص والده، فالطبيب يريد أن يصبح ابنه طبيبًا والمهندس كذلك، وهكذا.
وبين أن إسقاطات أولياء الأمور على أبنائهم في توجيههم نحو تخصصات معينة كالطب والصيدلة والهندسة، يجب أن تلغى من خلال تكوين ثقافة جديدة في المجتمع تراعي ميول ورغبات الطالب بالدرجة الأولى، ثم ضرورة أن تكون ملائمة لمتطلبات سوق العمل، حتى لا يشعر الطالب أن الأعوام التي أمضاها بين المحاضرات والامتحانات ومشاريع التخرج ضاعت سدى عندما لا يجد عملًا أو وظيفة في مجال تخصصه.
وشدد مطارنة على أهمية دور المدرسة بتوعية وتوجيه الطلبة فيما يتعلق بالتخصصات سواء كانت أكاديمية أو مهنية.
وأشار إلى أن الاستثمار في التعليم من أجل تحقيق تنمية في كل القطاعات يتطلب تعاون المؤسسات التعليمية مع الجهات المعنية لمعرفة متطلبات سوق العمل وتعزيز توجه الطلبة إليها من خلال بيان مستقبل هذه المهن أو الوظائف الجديدة وأهميتها لسوق العمل، فضلًا عن اطلاعهم وهم على مقاعد الدراسة خلال المرحلة الثانوية على التخصصات الراكدة والمشبعة لكي يتم تجنبها.
كما أكد مطارنة أهمية قيام الأسرة بترك الخيار في التخصص لأبنائهم وفقًا لميولهم ورغباتهم، مع ضرورة توجيههم وإرشادهم وبيان مستقبل التخصص الذي يرغب في دراسته، في الوقت نفسه، داعيًا إلى ضرورة وجود برامج وخطط تثقيفية تساعد على تشجيع الإقبال على التعليم المهني، لاسيما وأن العالم يتجه الآن نحو التعليم المهني والتقني.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock