ترجمات

التداعيات الإقليمية لانسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان

توماس باركر – (معهد واشنطن) 15/6/2020

أعلن الرئيس دونالد ترامب أنه ينوي سحب كل الجنود الأميركيين المتمركزين في أفغانستان، والذين يناهز عددهم نحو 12 ألف جندي، بحلول العام 2021. وفي هذا السياق، كان الرئيس ترامب قد صرّح أنه ما كان يجدر مطلقًا بالولايات المتحدة أن تتورط في أفغانستان من الأساس. ولكن، إذا سحبت الولايات المتحدة جنودها، من المرجح أن يُطلق هذا الانسحاب سلسلة تفاعلات لدى القوات الدولية التي ما تزال موجودة هناك، حيث أن هناك ما يقرب من سبعة آلاف جندي آخرين من دول أوروبية ستغادر أفغانستان في حال مغادرة الولايات المتحدة، شأنهم شأن القوات التركية والأردنية والإماراتية التي كانت متمركزة في أفغانستان وغادرتها مسبقاً. وتعكس وجهات نظر ترامب خيبة أمل عامة من قبل الكثير من الجمهور الأميركي من المشاركة الأميركية هناك. لا أحد يحب الحروب التي لها بداية، وإنما التي بلا نهاية.
مع ذلك، يعتقد كل المتابعين للشؤون الأفغانية تقريبًا أن الانسحاب الكامل للقوات العسكرية الدولية سيؤدي إلى نشوب حرب أهلية أفغانية أعنف من الدائرة الآن. ومن المرجح أن مقاتلي “طالبان” المنتمين بشكل كامل إلى التنظيم والبالغ عددهم نحو 60 ألف مقاتل، والميليشيات المختلفة، وما تبقّى من الجيش الأفغاني، سوف يتنافسون كلهم على السلطة في الداخل وعلى السيطرة على كابول، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من النزاع في البلاد.
من شبه المؤكد أن تنهار الحكومة الأفغانية الحالية في حال سحب المجتمع الدولي دعمه المالي الراهن أو وجد صعوبة في توزيعه بسبب مشاكل متعلقة بالسلامة. والملفت هو أن الحكومة الأفغانية السابقة المدعومة من الاتحاد السوفياتي صمدت عند الانسحاب العسكري السوفياتي في العام 1989، لتعود فتنهار في العام 1992 حين أوقفت موسكو دعمها المالي عنها.
في الحرب الأهلية التي قد تنتج، سينشأ خط الصدع الرئيسي بين “طالبان” التي يسيطر عليها البشتون، وما يُعرف بـ”التحالف الشمالي” والذي يتألف في معظمه من الطاجيك –الذين يتحدثون لغة مشتقة من الفارسية – في الغرب والشمال، ومن الأوزبك في الشمال، والهزارة الشيعة ذوي الروابط بإيران في وسط أفغانستان. ويعتبر “التحالف الشمالي” تجمّعًا ضعيفًا للقوى السياسية أكثر من كونه منظمة متماسكة، وهو يمثّل أكثرية بسيطة من السكان في حين أن البشتون يمثلون نحو 40 في المائة، ويشكلون في العادة أكبر مجموعة عرقية في البلاد.
بينما ستركّز حركة “طالبان” في معظمها، وكذلك القوى المتخاصمة الأخرى، على السيطرة على أفغانستان، ستزداد في الوقت نفسه جرأة بعض التنظيمات الإرهابية الأخرى التي تعكف، على الرغم من وجودها في أفغانستان، على الاعتداء على الدول الغربية والإسلامية ومدنييها خارج البلاد. وتشمل هذه التنظيمات فرع “داعش” في أفغانستان ومخلفات “القاعدة” في أفغانستان وباكستان. وبحسب التقرير الصادر للتو عن مجلس الأمن، ما تزال العلاقة وطيدة بين حركة “طالبان” –وبالأخص “شبكة حقاني” التابعة لها– وتنظيم القاعدة، وهي علاقة قائمة على الصداقة وعلى تاريخ مشترك من النضال والتعاطف الإيديولوجي والتزاوج”.
غير أن الانسحاب الدولي سيتيح لتلك التنظيمات أن تتحدث عن انتصار جهادي، وهذا ما سيستقطب على الأرجح المزيد من المجندين. ويشار إلى أن الكلام نفسه تردد في أعقاب الانسحاب السوفياتي في العام 1989، حين قال الجهاديون، وبقدرٍ كبير من التبرير، إنهم هزموا قوةً عظمى، مع أن أقاويلهم لم تعترف بالمساعدة الكبيرة التي حصلوا عليها من الولايات المتحدة وأوروبا.
من المحتمل أيضًا أن ينشط الإرهابيون الذين يعيشون حاليا في أماكن أخرى من العالم الإسلامي وفي الغرب، حيث أنهم قد يرون في أفغانستان مكانًا جديدًا يتهافتون إليه، ربما للانضمام إلى فرع “داعش” في أفغانستان (“تنظيم الدولة الإسلامية – لاية خراسان”) أو للانتقال إلى المناطق الخاضعة لحكم “طالبان” من أجل تلقّي التدريب والتلقين العقائدي. وسيكون هذا السيناريو تكرارا لما حصل في أواخر تسعينيات القرن العشرين حين غادر أسامة بن لادن السودان وأنشأ معسكرات تدريب في جنوب أفغانستان في ظل حكم “طالبان”.
فضلاً عن ذلك، من المرجح أن تستفيد التنظيمات الإرهابية في أفغانستان وغيرها من تشتت مخزون الجيش الأفغاني والقوات الجوية الأفغانية، مع العلم بأن هذا المخزون يحتوي على بعض الأسلحة المتقدمة. ومن المتوقع أن تتدفق هذه الأسلحة إلى السوق الدولية الرمادية للأسلحة.
مع انسحاب التحالف الدولي، من المحتمل أيضًا أن تكون هناك جغرافية سياسية مجانية للجميع في أفغانستان مع محاولة قوى خارجية زيادة نفوذها هناك. وكما في التسعينات، ربما تفضل إيران الطاجيك والهزارة، وتركيا الأوزبك، وروسيا، والهند، وجمهوريات آسيا الوسطى الأخرى، وربما حتى الولايات المتحدة قد تدعم جميع أطراف التحالف.
في المقابل، قد تحاول باكستان، وربما أيضًا السعودية والإمارات– الدول الثلاث الوحيدة التي اعترفت بحركة “طالبان” بعد استلامها الحكم في العام 1996–توسيع نفوذها في أفغانستان من خلال جماعة البشتون الأفغانية، بمن فيها “طالبان”.
ويبقى السؤال مفتوحًا عمّا إذا كانت إسلام أباد ستدعم “طالبان” بالقوة نفسها التي دعمتها بها في التسعينيات حين أرسلت ضباطًا عسكريين لمساعدتها في الاستحواذ على أكثر من 90 في المائة من البلاد. وبما أن باكستان باتت تحتوي اليوم على تنظيمها المعارض الخاص على عكس فترة التسعينيات، يعتبر بعض الخبراء المعنيين بالشؤون الأفغانية أن دعم إسلام أباد لحركة “طالبان” الأفغانية سيكون مدروسًا بشكل أكبر، وستفضّل باكستان تحالفًا ضعيفًا مؤلفًا من القوى المختلفة الموجودة في كابل.
على أي حال، سيكون من شأن الحرب الأهلية المطولة أو انهيار الحكومة المركزية الأفغانية أن يؤججا العداوات الإقليمية، مثل تلك الدائرة بين إيران والسعودية وتركيا.
خاتمة
بغض النظر عن مدى سوء الأمور حاليًا في أفغانستان، قد يشتد العنف ويتفاقم بعد الانسحاب الكامل للتحالف الدولي، ومن المحتمل أن يضيع سدىً التقدم الملحوظ الذي أحرزته أفغانستان خلال العقدين المنصرمين، بما في ذلك النمو الاقتصادي في المدن، والتقدم الاجتماعي في مجال التعليم ومكانة المرأة، وحتى التطور السياسي في البلاد، مهما كانت انتخاباته الوطنية محل نزاع. وإذا كنت تبحث عن إشادة حول قدرة التحمل البشري، فاطلع على وضع الأفغان اليوم.
من المرجح أن يُبطل الانسحاب هذه المكاسب وسيشكل انتكاسةً في المناطق الأخرى من العالم الإسلامي ككل.
تعليق أنور عشقي: “قد يشعل انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من أفغانستان فتيل الحرب الأهلية في البلد وسينتهي الأمر بسيطرة حركة طالبان على البلاد. ولكن، عندما يتحسن الوضع سيتعامل العالم مع طالبان الدولة عوضاً عن الميليشيا، حيث ستتغير طالبان وتصبح كيانًا سياسيًا. وفى حال عدم تغيير طالبان سياستها، سيرغم الشعب الأفغاني دولة طالبان على التغيير. أما بالنسبة لروسيا، فسيكون من المستحيل أن تتدخل في أفغانستان في هذه المرحلة نظراً لأن تدخلها سيؤدي إلى استنزاف مواردها”.

*عمل في المكتب التنفيذي للرئيس، ومكتب وزير الدفاع، وفي التخطيط السياسي بوزارة الخارجية، ومجتمع الاستخبارات، والكونغرس الأميركي على مدى ثلاثين عاما. وهو حالياً أستاذ لدراسات الأمن في جامعة جورج واشنطن.

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
42 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock