منوعات

التذمر والشكوى: طريقان مختصران للهروب من ضغوطات المنزل والعمل

 


ديما محبوبه


عمّان – يبدأ يومه بكلمة “أوف” ولا تعجبه تصرفات من حوله حتى ولو كانت معقولة، ويشتكي من ضغط العمل، ويحتار في كيفية إكمال ساعات يومه لكثرة الأعباء العملية والعائلية الملقاة على عاتقه، هذا السيناريو هو ما يفتتح فيه أسامة السيد الموظف في إحدى الشركات يومه.


العشريني أسامة يؤكد أنه حاول تغيير هذا السلوك مرات عديدة، لكن محاولاته جميعا باءت بالفشل، وعاد وبشكل أكبر إلى عادتي التذمر والشكوى.


ويرى خبراء في مجال علم النفس والاجتماع أن الكثيرين من أفراد المجتمع يعانون من اضطرابات نفسية، ويعد التذمر أحد أنواع هذه الاضطرابات.


اختصاصي علم النفس د. محمد حباشنة الذي يرى أن الأفراد المتذمرين هم أشخاص يندرجون تحت اسم “الشخصيات السلبية العدائية”، يشير إلى أن هذه الشخصية تتميز بالتوجه الرافض الذي يظهر في الميل إلى الجدال والنقد لكل شيء والسخط الدائم، واصفا إياها بـ”المنزعجة دائما والتي لا يعجبها أي شيء”.


ويظهر اضطراب الشخصية، وفق حباشنة، بأشكال عدة، وفي مواقف مختلفة في العمل أو العلاقات الاجتماعية أو المنزل، موضحا أن صاحب الشخصية المضطربة تنقصه المرونة؛ إذ يظهر نمط شخصيته بدرجات مختلفة في شتى المواقف ومع مختلف الناس.


ومن بين ملامح اضطراب الشخصية الانحراف عن توقعات المجتمع المحيط، مما يخلق فجوة في التفكير والتعامل والسلوك والتعبير الانفعالي بين المريض بالشخصية المضطربة ومن حوله.


ويرد اختصاصي العلاج السلوكي د. خليل أبو زناد، اضطراب الشخصية إلى الطبيعة الحساسة وإلى العصبية أو الكآبة أحيانا، مبينا أن الشخصية السلبية تكون نتيجة لعوامل اجتماعية أو نفسية.


من جهته يقول اختصاصي الشريعة في الجامعة الأردنية د. هايل عبد الحفيظ إن الشكوى والتذمر ظاهرتان غير محمودتين اجتماعيا ودينيا، مبينا أنهما يدلان على “عدم رضا الإنسان بقضاء الله وقدره”.


ويتابع “المؤمن يشكر الله على نعمه، وإذا حلت به مصيبه يصبر ويحمد الله، ولا ينسى نعم الله الكثيرة عليه”.


الثلاثينية رنا حسن تشير إلى أن لها عمة في الخمسيينات تدّعي المرض، وهي دائمة الشكوى من آلام عديدة في الرأس والساقين عدا عن آلام الظهر وغيرها.


وتضيف رنا أنه ورغم تلك الأوجاع والآهات، إلا أنها لا تشعر بتردّي صحة عمتها، فتبدو أحيانا بكامل نشاطها، ويعلق طبيبها على حالتها “تتدلل”.


في حين يؤكد الخمسيني أبو خالد أن زوجته تنسى كل الأيام الجميلة التي عاشتها معه، وتردد دائما مقولة “ما شفت يوم حلو ولا عشت مرتاحة، وكل شيء على رأسي”.


وبدأ أبو خالد يشعر بالملل من أسلوبها الذي لا يخرج عن نطاق الشكوى والتذمر.


وفي هذا السياق يشير اختصاصي علم الاجتماع في جامعة البلقاء التطبيقية د. حسين خزاعي إلى أن التنشئة الاجتماعية من العوامل التي تؤثر على سلوكيات وعادات الفرد، منوها إلى أن التذمر هو نتيجة العيش في “بيئة خصبة تحبذ التذمر وتمارسه بكثرة”.


والتذمر الصحي، كما يقول، يخفي بداخله السبب الحقيقي كالمشاكل الاجتماعية مثلا والتي تؤثر بشكل أكبر على الشخص.


والبناء الاجتماعي، في رأي الخزاعي يتأثر أيضا في العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ويؤكد أن تداخل هذه العوامل يؤدي إلى اضطرابات نفسية لدى الشخص.


ويرجع تذمر الناس غالبا إلى الأوضاع الاقتصادية التي يعيشونها؛ لأن 45% من أفراد المجتمع الأردني يصل راتبهم أقل من 300 دينار شهري، مما جعل رب السرة غير قادر على مجاراة مطالب الأبناء وغيرهم.


ومن بين الأسباب التي تعمل على زيادة التذمر والشكوى، كما يقول الخزاعي، هو رفض الأفراد إظهار أوضاعهم الاقتصادية الحقيقية، واللجوء إلى اختراع أعذار وتذمرات غير حقيقية.


ومن الآثار السلبية التي تتركها كثرة التذمر، بحسب الخزاعي، أنه يجعل الشخص يعيش في عزلة حقيقية بعد فترة من الزمن؛ لأن المتذمر في العادة غير مرحب بوجوده بين زملائه أو بين أفراد عائلته.


وهؤلاء الأشخاص، من وجهة نظر حباشنة، يحتاجون إلى معالجة سلوكية ومعرفية طويلة الأمد، ويفترض عدم مجاراتهم والسماع إلى تذمرهم أو تعزيز ما عندهم من اضطرابات.


ويدعو الخزاعي إلى النظر بواقعية أكبر والابتعاد عن التذمر والشكوى وإن وُجد سبب حقيقي لها وعدم الإكثار منها.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock