أفكار ومواقف

التراجع عن الهاوية!

تكفي خطوة واحدة في الاتجاه الخاطئ كي تنزلق هذه المنطقة نحو الهاوية والحرب، وإذا استمرت بعض دول الإقليم في إعطاء نفسها تقديرا عاليا عن حقيقتها وقيمتها الحقيقية في هذه المنطقة الحساسة جدا من العالم، فإن نوعا جديدا من الصراع سوف ينشأ حتما نتيجة تراجع القوة الحقيقية للقانون الدولي والشرعية الدولية، والدور الفاعل لمنظمة الأمم المتحدة والمجالس والمنظمات التابعة لها، أي غياب القيم التي قامت عليها من أجل تحقيق الأمن والسلام والتعاون الدولي.
لقد تحدث عدد كبير من قادة العالم بمناسبة انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحالية، ومعظمهم أشار بوضوح إلى الوضع المتوتر في منطقة الخليج العربي، وفي الشرق الأوسط عموما، محذرين من مغبة التمادي في إشعال فتيل حرب توشك أن تقع إذا تركت الأزمة تتفاعل من تلقاء نفسها، ولعل النيران التي اشتعلت في محطات لشركة أرامكو السعودية كافية لكي ترينا ما هو مصير العالم إذا ما اندلعت الحرب لا سمح الله.
من المفارقة أن يتحدث الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو طويلا عن حرائق غابات الأمازون ويعزو السبب إلى العوامل الطبيعية، ويشكر إسرائيل دون غيرها على مساعدتها في إطفاء تلك الحرائق، وهو بالطبع يرفض وصف قبائل من شعبه يسكنون الأمازون بأنهم ينتمون للعصر الحجري، معترفا بأن تلك الغابات تمثل رئة العالم الذي يتوجب عليه حمايتها، معتبرا أن بعض ذلك الاهتمام لا يخلو من نزعة استعمارية !
لكن ما قاله جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة كان الأعمق تحليلا للحرائق التي يمكن أن يتعرض لها العالم كله، بما في ذلك رئته إذا تخلت دوله عن العمل المشترك من أجل العالم الأفضل، والأكثر أمنا، وقد طرح السؤال تلو السؤال على المجتمع الدولي، كي يجيب عليها، أو يتحمل مسؤولية عدم الإجابة عليها.
يتساءل جلالة الملك، هل من أمل لدينا إذا استمر حرمان ملايين الشباب من ثمار التكنولوجيا الجديدة وثروات العالم، وكيف سيبدو عالمنا إذا لم نعمل معا من أجل بيئة صحية آمنة، وإن لم نساهم في إنهاء حالات اللجوء القسري والنزوح، وإن لم نتصد للأفكار الإجرامية الظلامية من مختلف الأيديولوجيات التي تدعو إلى الكراهية ونهزمها ؟
في اللحظة الحاسمة والمناسبة جدا من هذا التسلسل المنطقي لحال العالم اليوم، لفت جلالة الملك الأنظار إلى الخطر الكامن في الشرق الأوسط، المنطقة التي يجري على أرضها اختبار القيم الإنسانية، ومن مدينة القدس تحديدا لأنها تمثل التحدي الأكبر لقدرة أتباع الديانات على التعايش من أجل التعبير عن الإيمان بالله، في وقت تتحول فيه إلى رمز أو لغز لمستقبل الديانات والثقافات والحضارات الإنسانية، وهنا يسترجع من تاريخ الأمم المتحدة جملة قالها الحسين بن طلال طيب الله ثراه قبل أربعين عاما في القاعة نفسها معبرا فيها عن شجبه للاحتلال الإسرائيلي وأي محاولة لشطب عشرات القرون من التاريخ والتراث والرموز الروحية والحضارية والأخلاقية من عقل العالم وتاريخه.
هكذا أراد جلالة الملك أن يفهم المجتمع الدولي أن في حل الدولتين حلا لأزمته الأخلاقية قبل أن يكون حلا لمشكلة الشعب الفلسطيني، وربما حلا لإسرائيل نفسها قبل أن تذهب بعيدا في سياسة الفصل العنصري، لتزيد إثما آخر على الآثام التي يتحملها الضمير العالمي، ذلك هو البعد الأعمق في فلسفة حل الدولتين، وفي منح الشعب الفلسطيني دولته المستقلة على أرضه بعاصمتها القدس الشرقية، وتلك هي الفرصة التي توفرها الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية المسيحية لتكون منطلقا لكي تحفظ القدس لسائر البشرية رمزا للسلام !
يقول جلالة الملك لأندريا ميتشل التي أجرت معه مقابلة بثتها قناة (إم إس إن بي سي) الأميركية “هذا الأسبوع في غاية الأهمية في نيويورك، لأننا كما أعتقد نحاول جميعا معرفة كيفية التراجع عن الهاوية والحرب ” ألا يعني ذلك أن العالم على شفا حفرة من النار، نسال الله أن ينجينا منها!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock