أفكار ومواقفرأي في حياتنا

التربية الإعلامية متطلب إجباري!

جيد جدا قرار وزارة التعليم العالي، والذي اتخد مؤخرا بضرورة إدراج مساق التربية الإعلامية كمتطلب إجباري، للتخصصات كافة في الجامعات. وقد جاء القرار المتزن ليتوافق مع توجهات عالية المستوى بضرورة الاهتمام بهذا الحقل التربوي الإعلامي المستجد، بعد أن طفحت على السطح ضرورات أخلاقية وتربوية وقانونية، استدعت البحث عن حلول لمشاكل الفوضى الإعلامية المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، باعتبارها واحدة من مصادر الإعلام الحديث سريعة التداول وقوية التأثير.
لكن في الوقت نفسه، يجب الالتفات إلى أن مفهوم “التربية الإعلامية” وإن جاء متسقا مع المعلوماتية في قرار الوزارة، ليس واضحا ولا مشروحا بالشكل الكافي. حتى انه في تفسير المعنى ظهرت رؤيتان متوازيتان تشرحان المفهوم، وكل واحدة منها تختلف كليا عن الأخرى.
المدرسة الأولى في التفسير، تعتقد بأن التربية الإعلامية تستند على إبراز دور الإعلام في التربية. وهي مدرسة ليست جديدة بالمناسبة، بل هي واحدة من النظريات التي تحدد أدوار الإعلام التنموية في إعداد الرأي العام، وتشكيل الحوار ومحددات التفاهم ما بين الأطراف. المحددات بمعنى الأخلاقية والقانونية والفكرية والعقائدية.
هذا الانحياز للتفسير ينحصر من وجهة نظري على الإعلام التربوي، المعد سلفا لتهيئة الوسيلة الاتصالية الإعلامية، كي تكون طرفا في التربية وزراعة المفاهيم والأفكار. ولا أعتقد بأن وزارة التعليم العالي في الأردن، كانت تدفع باتجاه إقرار مادة التربية الإعلامية، كمقرر اجباري لتخصصات ليس لها علاقة بالإعلام سواء في الحقول الأدبية أو العلمية، لأجل هدف كهذا.
المدرسة الثانية والتي أعتقد أنها الأقرب في تفسير معنى المادة، هي التي نشأت معتقداتها ومطالبها مع انتشار وسائل التواصل، وسماحها بفتح فضاءات واسعة شاسعة للحوار وإبداء الرأي لكل من يملك شاشة ولوحة مفاتيح، تتيح له الخوض في شتى الأمور والأخبار والآراء والتحليلات، ما شكل حالة مقلقة من الفوضى غير الخلاقة تحت عنوان ممارسة الحريات، والحق في التعبير.
نحن بحاجة فعلا لمنهج مقوم يضع عجلات القطار السريع على السكة القويمة، تسير بها العربات بآمان وطمأنينة، دون أن تكون خائفة من الارتطام أو الاصطدام أو التوقف!
وأتصور أن يكون المنهج شاملا لتشريعات وأخلاقيات الإعلام، الناظمة للحقوق والداعمة للحريات بعيدا عن مخاوف التنمر الإلكتروني وانتشار الإشاعات والتطاول على الشخصيات. الأمر الذي يتطلب أيضا إدراج تحليل المحتوى ودراسة البيانات في وصف المادة المقررة.
وهي محتويات في غاية الدقة والأهمية والحداثة، المطلوبة لتوجيه الشابات والشباب إلى منطقة نظيفة في الحوار والاختلاف وقبول الآخر ونشر الأخبار، عبر وسائلهم المتعددة في التواصل.
يبقى أن لا يتحول قرار وزارة التعليم العالي إلى عنوان كبير، يضيف إلى منجزات المؤسسة ومعالي الوزير درجة إضافية تستدعي التباهي والفخر. بل أن يكون الأمر جادا وحقيقيا وملزما ومدروسا من النواحي كافة، يترجمه أداء قادر على إيصال المادة المقررة من قبل الأساتذة المكلفين بتدريسها، والذين هم أنفسهم بحاجة إلى ورشات تدريبية، من قبل مختصين وطنيين من الإعلاميين والحقوقيين والتربويين، تنتج على إثرها مخرجات تعليمية عملية وليست نظرية فقط، ترفع من مستوى المساق وتوصل أهدافه المحددة بمهنية وسلاسة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock