فكر وأديان

التربية الجنسية في القرآن الكريم

د. أحمد ياسين القرالة

للجنسِ مكانةٌ مهمةٌ ووظيفة مرموقةٌ في الحياةِ الإنسانيةِ، وهو إحدى حاجات الإنسان الأولية التي يؤدي الحرمان منها إلى ضغوطات حياتية واضطرابات نفسية، وهو في الوقت نفسه وسيلةُ متعة هي من ألذِّ المتع وأكثرها رغبةً، قال تعالى:” فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً”.
ونظراً لمكانة هذه المتعة عند الإنسان جعلها القرآنُ من المتع التي يُجازى بها المؤمنون والصالحون يوم القيامة، قال تعالى:” فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ”
ولما كان الجنسُ وسيلةً ضروريةً للمحافظة على النوع الإنساني؛ احترمه الإسلام وقدَّره ولم ينظر إليه على أنه شيء مستقذر ولا على كونه شيئاً وضيعاً يقلل من هيبة الإنسان ويحطَّ من سموه الروحي، والدليل على ذلك أنَّ القرآن الكريم تناوله في العديد من الآيات التي نتقرب إلى الله تعالى بقراءتها، ونتلوها في صلواتنا بتبتل وخشوع، تخيَّل أنك تتقرب إلى الله تعالى في صلواتك وأنت تقرأ آيات تتحدث عن الجنس وكيفيته وأوقات ممارسته، ومن ذلك قوله تعالى:” نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ”، وقد فسر العلماء قوله تعالى “وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ” بالمداعبة التي تسبق العلمية الجنسية لتحيلَها من فعل غريزي وحاجة بيولوجية إلى عملية تواصلية ورابطة وجدانية بين الزوجين، وقوله تعالى:” أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ” فالتعبير بلفظ “اللباس” يشير إلى أن الجنس ليس مجردَ عملية ميكانيكية، بل هي تواصل روحي يوطد أواصر المحبة ويعزز روابط الألفة بين الزوجين، وقوله تعالى:” وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ، وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ، فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ” حيث تضع هذه الآية دستوراً للأوقات التي يُحظر فيها الاتصال الجنسي بين الزوجين.
وقد نعى القرآن على أولئك الذين اتخذوا الرهبانية وسيلةً للسمو الروحي فقال تعالى: “وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ” ففي نظر القرآن الكريم يمكنك أنْ تكونَ مؤمناً كاملَ الإيمان وأنت مستمتعٌ بحياتك غايةَ المتعة، وهو ما عبر عنه النبي عليه السلام بقوله : “أما والله إنّي لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنّي أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوّج النّساء، فمن رغِبَ عن سنّتي فليس منّي”.
مَن يقرأ القرآنَ الكريم يجد فيه نظريةً متكاملةً للتربية الجنسية، فُصلت أحكامها بإسلوب كنائي وطرحت مواضيعها بعبارة رقيقةٍ تخلو من الابتذال والامتهان، وعرضت قضاياها بأسلوبٍ رشيق لا يخدش حياءً عاماً ولا يثير غريزةً كامنة.
التربيةُ الجنسيةُ الوقورةُ ضرورةٌ لصحةٍ نفسيةٍ سليمةٍ وحياةٍ زوجيةٍ مستقرةٍ، نحن أحوجُ ما نكون إليها؛ نظراً لارتفاع نسب الطلاق التي يُعزى كثيرٌ منها إلى سوء إدارة الحياة الجنسية بين الزوجين والمفاهيم المغلوطة حولها.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock