ترجمات

التردد في تلقي اللقاحات عرض للعلاقة المقطوعة بين الناس والدولة

نسرين مالك – (الغارديان) 15/8/2021

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

مثلما استغل الوباء نقاط الضعف في أنظمتنا الاقتصادية والصحية العامة، كشف التردد في تلقي اللقاحات عن نقاط الضعف في روابط الدول مع مواطنيها.

  • * *
    من الصعب شرح ما تشعر به عندما يبدأ شخص كنت تعتقد أنك تعرفه عن كثب في تكرار نظريات المؤامرة حول الوباء واللقاحات. إنك لا تفهم حقا ما يحدث على الفور: ثمة إدراك واسع جدا ومتنافر يتشكل لديك والذي يصعب ابتلاعه دفعة واحدة. وبذلك، تشرع في المرور عبر مراحل. أولا، تتعلق بقشة: ربما كانت هذه مزحة سيئة، أو أن القائل لم يقصد ما يقول حقا، أو أنها مجرد مسألة معلومات مضللة فحسب. ثم تدخل مرحلة من الغضب الحار والمربك والاحتجاج المحبَط. وبمجرد أن يُستنفذ هذا الغضب، سوف تهدأ أخيرًا. لكن إدراكاً جديداً يتشكل في داخلك بأن الأمر لا يقتصر على أن هذا الشخص الذي تحبه يعرِّض حياته للخطر فحسب: إنك تشعر بأنك ربما لم تعرفه حقا أبدا.
    يمكن العثور على الأشخاص الذين يتداولون أكثر النظريات جموحا حول الوباء في البلدان التي لا تتوفر لمعظم الناس فيها حتى إمكانية الوصول إلى الإنترنت، أو تلفزيون الكيبل أو البرامج الإذاعية التجارية. وثمة اتجاه مشترك هو التقليل من شأن أولئك الذين يتبنون نظرات المؤامرة، وتحويلهم إلى ضحايا لمجموعات “واتس-آب”، أو التضليل، أو مشكلات صامتة في صحتهم العقلية. وقد تكون هذه الأشياء صحيحة -لكن التردد في تلقي اللقاح هو أحد أعراض فشل أوسع نطاقاً. ولعل القاسم المشترك بين جميع الناس الذين تسكنهم الهواجس من اللقاحات، من الخرطوم في السودان إلى كانساس في الولايات المتحدة، هو تآكل ثقتهم في الدولة. ومن دون فهم هذا العنصر، سيكون مقدرا علينا أن نستمر في توجيه إحباطاتنا نحو الأفراد من دون فهم السبب في فقدانهم هذه الثقة في المقام الأول.
    يمكن أن يكون فقدان الثقة هذا عميقا لدرجة أن الناس سيثقون تقريبا في أي مصدر للمعلومات بخلاف الحكومة. في مسقط رأسي في السودان، على سبيل المثال، تم تطعيم أقل من 1 في المائة من السكان بشكل كامل، كما أن وجود أجهزة التنفس الاصطناعي أكثر ندرة من وجود اللقاحات. وتتكرر القصة نفسها إلى حد كبير في العديد من البلدان الأفريقية الأخرى، حيث يكون توافر اللقاح ضعيفا لدرجة أن الناس لن يتركوا كل شيء ويتجهوا إلى مستشفى –ليس لشيء سوى سماع إشاعة بأن اللقاحات المجانية متوفرة في ذلك اليوم. ولكن، بالنسبة للعديد من الأشخاص الآخرين، سوف تبدو تلك اللقاحات النادرة المنقذة للحياة مريبة، باعتبار أنها شيء جيد أكثر مما يمكنهم استيعابه، وهم ليسوا معتادين على الأشياء الجيدة.
    عندما تم إرسال الدفعة الأولى من اللقاحات المتبرع بها إلى السودان في وقت سابق من هذا العام، رفضها شخصان ضعيفان أمام العدوى من أفراد عائلتي لأن أحدا ما بدأ إشاعة بأن نقص الطاقة الكهربائية في البلاد يعني أنه لا يمكن تخزين اللقاحات بالشكل الصحيح، وبذلك لا بد أن تكون قد “فقدت صلاحيتها” بالتأكيد وأصبحت ضارة. وقد حاولت أنا وآخرون إقناعهما بأنه حتى لو كان الأمر كذلك، فإن أسوأ سيناريو يمكن أن يحدث هو أن تلك الجرعات ستكون غير فعالة، لكنها لن تكون ضارة في الحقيقة. لكن جهودنا لم تكن مجدية وذهبت أدراج الرياح. ومع ذلك، تمسكت بهذه القشة، على أمل أنه بمجرد إعطاء الجرعات الأولى لآخرين وعدم الإبلاغ عن أي ضرر، سيأتي أقاربي لأخذ اللقاح أيضاً. لكن أعذارهم كانت جاهزة. قيل لي أن الدفعة الجديدة من اللقاحات كانت “مرفوضة” في أوروبا، وقد تبرعت بها الدول الغربية التي أرسلت اللقاحات إلى إفريقيا من أجل بعض العلاقات العامة بدلاً من التخلص من اللقاحات ورميها.
    يبدو هذا وكأنه سلوك غير عقلاني بالكامل، لكنه في الواقع عكس ذلك. في دول مثل السودان، لا يأتي شيء جيد، ولا شيء مجاني بالتأكيد، من الدولة. فالحكومة هي كيان استخلاصي موجود -ليس لخدمة المواطنين، وإنما لنبش جيوبهم وإفراغها وتغريمهم الرسوم والنقود على قيامهم بأعمالهم اليومية. والفساد منتشر -من دفع رشوة لإعفاء المرء نفسه من المخالفات المرورية، إلى إجبار الناس على استخدام المستشفيات الخاصة لأن مقربين من الحكومة جلبوا إليها التكنولوجيا الطبية الحديثة. والدولة هناك هي شيء يزدهر الفرد على الرغم منه. ويعكس إعلام الحكومة هذه العلاقة المضطربة، حيث يتحدث المسؤولون إلى الجمهور إما لتوبيخهم أو لنشر الدعاية، وحيث المعارضة محظورة. وفي دولة مجاورة، تم إلقاء القبض على الأطباء الذين عارضوا رواية الحكومة عن الوباء، بينما كانت خزانات الأكسجين تنفد من وحدات العناية المركزة في العاصمة.
    كيف تحاول إقناع أحد بأن توفير لقاحات “كوفيد” مجانية وفعالة هو استثناء للقواعد التي عاشها طوال حياته؟ بأن اللقاحات هي تفشٍ مفاجئ للكرم والكفاءة؟ سوف يكون زرع الشكوك سهلاً، لأن الأنظمة السياسية لا تحتاج إلى أن تكون سلطوية بالكامل لإدامة انظمة استغلالية وغير نزيهة تولد عدم الثقة. ربما تفكر بوجود دافع ربح خفي وراء لقاحات “كوفيد” إذا كنت تعيش في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، حيث ثمة مقاومة سياسية شديدة للرعاية الصحية الممولة من القطاع العام، وصناعة أدوية ورعاية صحية مربحة للغاية تنفق نحو 306 مليون دولار (221 مليون جنيه إسترليني) على أنشطة جماعات الضغط الموالية كل عام، ووجود تسعير باهظ وغير منظم لكل شيء، بدءًا من لقاحات الإنفلونزا وحتى حمل طفلك بعد الولادة. وقد تشك، إذا كنت تعيش في المملكة المتحدة، في تأكيدات الحكومة على أن اللقاح تم اختباره بصرامة، بعد رؤية مسؤولين كباراً يبدو أنهم يصنعون سياسات الوباء بينما يتقدمون متعثّرين، ويجرون الأمة معهم، عبر المنعطفات والإغلاقات التي لا يتبعون قواعدها هم أنفسهم.
    سوف يولّد فشل الدولة جنون الارتياب. وعندما تنهار الثقة في الحكومة، يلجأ الناس إلى تعزيز نزعة الحذر واليقظة الشخصية. ويتزايد هذا المناخ من التردد والحذر بسبب ضعف تنظيم وسائل الإعلام التي تتاجر بالأكاذيب. في المملكة المتحدة، على سبيل المثال، تم حل مسألة تقرير مضلل عن استبعاد أفراد الأقليات العرقية من تجارب اللقاح بمجرد نشر تصحيح قصير في حاشية سفلية.
    إن رفض اللقاحات لا يحدث في فراغ. ومن السهل التقليل من شأن التردد والمؤامرات على أنها سلوك مختل مشوش؛ ذلك يجعلنا نشعر بتوتر أقل من العروض غير المعقولة من أولئك الذين نعتقد أنهم أشخاص عقلانيون أو ينبغي أن يكونوا كذلك. ثمة بالتأكيد من بين الذين يترددون في تلقي اللقاحات مَن هم ببساطة أناس عنيدون أو كارهون للبشر أو أنانيون. ولكن، مثلما استغل الوباء نقاط الضعف في أنظمتنا الاقتصادية والصحية العامة، فقد كشف التردد في تلقي اللقاحات عن نقاط الضعف في روابط الدول مع مواطنيها. ولا توجد إجابات سهلة حول كيفية التعامل مع أولئك الذين يكررون نظريات المؤامرة والأكاذيب، لكن التمحيص الدقيق للأنظمة التي خسرت ثقتهم ربما يكون مكانًا جيدًا للبدء منه.

*كاتبة عمود في صحيفة “الغارديان” البريطانية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Vaccine hesitancy is a symptom of people’s broken relationship with the state

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock