أفكار ومواقف

التسول ومافياته: الحاجة لمكافحة جذرية

تشير بيانات وزارة التنمية الاجتماعية أن 90 % من المتسولين الذين تم ضبطهم في شهر تشرين الأول الماضي والبالغ عددهم 1144 متسولا؛ يتوزعون بين الجنسين منهم 635 حدثا، 406 ذكور و229 إناث، بينما شكل البالغون 429، البيانات تشير لامتلاك بعضهم أكثر من سيارة، تتراوح موديلاتها بين العام 2000 و2017، بينما بلغت الرواتب التقاعدية التي يحصلون عليها بين 260 دينارا و 614 دينارا فيما يتلقى 10 % دخلا من مصادر أخرى.
يضاف لهذه المبالغ ما يتم تحصيله من التسول وقد يكون أضعاف هذه المبالغ؛ هذا غيض من فيض ولا يعبر عن حجم المداخيل التي تتحقق والدليل هذا الإقبال على التسول الذي أضحى فعلا مهنة مرغوبة.
الظاهرة مقلقة؛ لأنها آخذة في التوسع، وهي المدخل لأنواع متعددة من الجرائم؛ أولها السرقة والمخدرات والخطف والانحراف بكافة أشكاله خاصة في فئة الأطفال؛ مجرد الجلوس في مقاهي عمان مساء تكتشف وجود مافيات تدير شبكات التسول؛ ظاهرها التسول والمخفي أعظم وأخطر.
يسألني صديق عربي التقيته في إحدى مقاهي عمان في شارع الجامعة الأردنية باستغراب، لماذا لا تكافحون التسول بنفس الدافعية التي تكافحون فيها الكورونا؛ معللاً ذلك بزيادة عدد المتسولين بحيث لا تمر عشر دقائق إلا ويدخل طفل أو سيدة أو رجل وجميعهم يعرضون وصفات طبية أو وثائق تؤكد حاجتهم لعمليات جراحية عاجلة وتحتاج مبالغ كبيرة ولا يوجد لديهم تأمين، والغريب أن نفس هؤلاء الأشخاص لديهم قدرة فائقة على التنقل من مكان لآخر بسرعة مما يعني أن هناك من يقوم بتوفير وسائل النقل وكل الدعم اللوجستي.
تجدهم في كل مكان؛ إشارات المرور، المساجد والمخابز وأمام أجهزة الصراف الآلي والمتاجر والمستشفيات ومجمعات العيادات الطبية وحتى أماكن إعطاء لقاح كورونا وفي بيوت العزاء وحفلات الفرح وبتنظيم دقيق يتابع أماكن التجمعات.
في حزيران الماضي، ضبطت وحدة مكافحة التسول سيدة أمام أحد المستشفيات تستعطف المراجعين مدعية مرضها لتكتشف الوحدة بعد التدقيق؛ أنها تمتلك سيارتي شحن إحداهما مرسيدس موديل عام 2011 وأخرى سيارة نقل مشترك ورصيد مالي ولديها سجل جرمي، وقبل ذلك بأشهر توفيت متسولة تبين أنها تملك عقارات وأرصدة بمئات آلاف الدنانير.
أسبوعياً؛ نسمع عن إلقاء القبض على متسولين وغالبيتهم بأوضاع مالية تسمح لهم العيش بكرامة ودون اللجوء للتسول، ولكن استسهال هذه المهنة وسهولة استجرار تعاطف الناس بالإلحاح والخديعة خلق ما يمكن وصفه بمافيا التسول المنظمة والتي تحتاج حزما وجدية حتى لا تصبح سمة ترتبط بعاصمة البلاد وتنفر الناس من السياحة فإذا كان المواطنون في قلق من هذه الظاهرة فما بالنا بالسائحين.
مكافحة التسول مهمة رسمية وبالقانون، ولا أحد ينكر جهد وزارة التنمية الاجتماعية؛ لكن، مهم هنا القول أن مهمة المتابعة يجب ألا تقتصر على الدوام الرسمي فقط، فالمشكلة تزداد في فترة المساء ويمكن الاستعانة أو تفويض جهاز الأمن العام بالقيام بالمتابعة وقبل كل ذلك القيام بحملة توعية شاملة مكثفة تحذر الناس منهم من خلال وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي والجامعات والمدارس.
دور المجتمع لا يقل أهمية؛ بالعكس هو حجر الرحى في المكافحة؛ لا نريد أن نمنع الناس من تعزيز روابط التكافل الاجتماعي ودعم الفقراء ولكن من خلال المسارب المباشرة والمستحقة، مركز الحسين للسرطان، صندوق الزكاة، صندوق الطالب الفقير، وأي جمعيات مرخصة بشكل قانوني وتخضع للرقابة بالإضافة أن كل مواطن لديه رغبة في المساعدة لن يجد صعوبة في إعطاء المستحقين من الأسر العفيفة والمستورة.
مكافحة التسول مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع ولا يجوز أن يستمر التعامل معه بهذا التردد، هناك فرق كبير بين توصيف الفقر الذي يحتاج لمعالجة اقتصادية وبين التسول ومخاطره والتي تحتاج لمكافحة حازمة.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock