أفكار ومواقف

التسييس والإعلام.. مظاهرة الإخوان


“فشلت” جماعة الإخوان المسلمين في تنظيم مظاهرة تطالب بإصلاحات دستورية.


 بهذه الكلمة بدأت صحيفتا ” الحياة ” و” الشرق الأوسط ” السعوديتان  اللندنيتان تغطيتهما لخبر المظاهرة التي قلل من تعدادها قانون الطوارئ ابتداء وحشود آلاف الشرطة المدججين بقنابل الغاز والهراوات والإغلال والقيود , وهي الحشود ذاتها التي قللت تعداد المشاركين في جنازة الفنان الراحل أحمد زكي. 


 أي أن ثمة حرفا ناقصا في الكلمة الأولى وهو “أ”  فالمظاهرتان”أفشلتا ” بفعل فاعل ولم تفشلا ذاتيا فهما تعبران عن مشاعر ملايين المصريين في الإصلاح والوفاء لفنان محبوب , أما آلاف الشرطة فهم لا يتحركون وفق مشاعر ورغبات بقدر ما ينفذون أوامر الحكومة التي تدفع رواتبهم .



مع ذلك؛ الصحيفتان لم تكذبا وإنما مارستا الانحياز بشكل مهني! من خلال التقديم والتأخير والتركيز..وهذا لا يغير الواقع. فالإخوان هم القوة الأساسية التي تشكل بديلا ناجزا لحكومة الحزب الوطني التي لا يبدو أنها ستسمر في السلطة أكثر مما مضى, ولو أجريت انتخابات نزيهة في مصر لشكل الإخوان الحكومة المصرية تماما كما شكل حزب العدالة والتنمية الحكومة التركية. ولو أن حكومة الحزب الوطني واثقة من نفسها لطلبت من قوى الأمن البقاء في ثكناتها ولسمحت بخروج الإخوان في المسيرة السلمية. لكن على ما يبدو فإن الخوف من تكرار التجارب الجورجية والقرقيزية واللبنانية حال دون السماح بالمسيرة .



من المشروع لمالك الصحيفة، حكومة كان أم شركة، أن ينحاز سياسيا, وهذا ما يفعله الإعلام الغربي, فالبي. بي.  سي.  انحازت ضد توني بلير والفوكس انحازت مع بوش  والسي بي أس ضده؛  ليس في ذلك مشكلة بل إن إعلاميا مخضرما مثل دان راذر في السي. بي. أس.  دفع ثمن مواقفه استقالة مدوية. وقد تكرر ذلك مع إيسن جوردان مدير أخبار سي. إن. إن. عندما استقال عقب تصريحات مدافعة عن صحفيي الجزيرة فهمت بأنها ضد الجيش الأميركي.  لكن ليس مشروعا أن تمارس وسيلة الإعلام الكذب للدفاع عن انحيازاتها .



هنا تكمن لعبة الموضوعية والحياد التي اخترعها الغربيون واحترفوها, وتابعهم الصحفيون العرب فيها. فلا يوجد إعلام موضوعي ومحايد إلا في كتب تدريس الصحافة والجامعات . كل صحفي مسيَس  وكل وسيلة إعلام مسيَسة, وهما يمارسان الانحياز بذكاء أو بغباء .  والمحظور الأخلاقي يتعلق بالكذب والافتراء والرشوة والسرقة و..أما أن يكون لوسيلة الإعلام أو للإعلامي  مضمون سياسي أو ثقافي فهذا مطلوب وشرط من شروط الصحافة الناجحة.  وهو واضح في النماذج الإعلامية الناجحة عربيا ودوليا.



فالأهرام  المصرية تألقت بفعل محمد حسنين هيكل وهو المثقف المتماهي  مع مشروع الرئيس جمال عبدالناصر في التحرر والانعتاق والتنمية و..وقد أبدع هيكل في التعبير عن المشروع الناصري  في حياة ناصر ومن بعد مماته. وعلى نقيضها كانت ” النهار” اللبنانية التي تألقت بفعل تصديها لما تمثله الناصرية.. ليس بمعنى أنها كانت ضد التحرر والانعتاق.. بل كانت تسعى لهذه الإهداف وفق المفاهيم الغربية. وهي لليوم تقوم بهذا الدور إلى درجة أن كاتبا عربيا مرموقا وصف لي ” النهار” هذه الأيام بأنها ” صحيفة الحملة الأميركية على المنطقة “.


وفي كتابه ” سر المهنة وأسرار أخرى ” يفصل غسان تويني  في توجهات  الصحيفة منشأ ومآلا؛  فالجد المؤسس جبران كان ماسونيا والابن غسان انخرط في صفوف القوميين السوريين أما جبران الحفيد فواضح انحيازه إلى المعارضة اللبنانية .
 
كل قارئ صحفية أو سامع إذاعة أو مشاهد تلفزيون بإمكانه إن يرصد الانحيازات ويميز بين الغبي منها والذكي, الأهم أن يميز بين الكذب والحقيقة. طبعا هذا المقال ليس استثناء من الرصد.



[email protected]

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock