تحليل إخباري

التشاؤم في منصات التواصل الاجتماعي

د. محمود أبو فروة الرجبي
من يقرأ كثيرا من التعليقات في منصات التواصل الاجتماعي يُصدم من حجم السوداوية، والتشاؤم، وغياب التفاؤل خاصة عند الشباب، وهذا يدعونا إلى دراسة الـموضوع، لمعرفة الأسباب، والوقوف عليها، والإجابة على تساؤل مهم: هل هذا التشاؤم مبرر؟ أم فيه تضخيم، ومبالغات؟
يحق لكل إنسان أن يعبر عن مشاعره، ومتاعبه، والصعوبات التي تواجهه في الحياة، ولكن ما نراه في هذه المنصات يتجاوز الأمر إلى تضخيم السلبيات، والبحث عنها في كل مكان، بل وتحويل أي إيجابية إلى سلبية.
عندما يواجه الناس الصعوبات، ولا يجدون ما يريدون، ويتعبون في الوصول إلى لقمة العيش يحدث ذلك، ومع ذلك، فإن السلبية هي جزء من ثقافة مترسخة في أذهان بعض الناس، تدعوهم دائمًا إلى الشكوى والتذمر، ولو كانت الأمور على أحسن ما يرام.
للأسف أن التشاؤم يغذي التراجع، وعدم النجاح، ويؤكد كثير من الفلاسفة، والحكماء، على أن الإيجابية هي الأساس الذي يبنى عليه أي نجاح في الحياة، فلولا الإيجابية لما تمكن أي شخص من تجاوز مصاعب الحياة، فهي غير مفروشة بالورود، وإذا تتبعنا سير الناجحين نرى أنها مزيج من المحاولات المتعثرة، ودراسة الواقع، والسهر، والتعب والجد حتى الوصول إلى المراد.
ينتقد بعض المعلقين في منصات التواصل الاجتماعي من يدعون إلى التفاؤل والإيجابية، ويهاجمونهم، متذرعين بالأوضاع السيئة، وانسداد الأفق، وعدم القدرة على إحداث أي تغيير في الواقع، وهذا غير صحيح، فالحياة مليئة بالمصاعب، ولا تؤخذ الدنيا بالتمني أبدا، ولكن قد تحصل في بعض الأحيان زيادة كبيرة في الصعوبات، وفي أحيان وأماكن أخرى يمكن التغلب على هذه الصعوبات بشكل أسهل، وهذا لا يمنع أن الحياة مثل البحر من يتوقف عن السباحة فيه يغرق.
لا بد من إشاعة الإيجابية في حياتنا، مقرونة بجهود تقوم بها كل مؤسسات الدولة، من أجل تحسين حياة الناس، وترسيخ القانون، وتطبيقه، لنصل مع مرور الوقت إلى الثقة القادرة على بث روح الإيجابية في الناس، ووقتها نكون قد بدأنا خطواتنا نحو النجاح الكبير.
تبدأ السلبية من البيت عندما يقوم الأبوين بالتعليق السلبي على كل ما يحيط بهم، فبدلًا من دراسة المصاعب التي تتعرض لها العائلة، والبحث عن أسبابها، ووضع الحلول لها ضمن منطق التفكير العلمي، يتم وصفها بأقذع الصفات، والتذمر منها، والشكوى التي لا طائل منها، وفي النهاية لا نتمكن من حل مشكلاتنا.
تدريب الطفل على التفكير الـمنطقي، ودراسة محيطه، وتوليد عدد من الأفكار لحل ما يواجهه من صعاب، يكسبه مهارات التفكير العلمي، ويحول حياته من سلوكيات الشكوى، والحزن، والغضب إلى البدء بحل الـمشكلات والابتكار في الوصول إلى نتائج إيجابية على الأرض.
مر الغرب في مرحلة السلبية، وتمكن من خلال بناء تفكير علمي إيجابي في نفوس أبنائه من التطور، ورافق هذا كله إحداث تنمية مستدامة، ونمو اقتصادي، مع المثابرة في إزالة العوائق أمام المبدعين، والمتميزين، وبقي يناضل من أجل إيصال المبتكرين إلى مراكز القرار، لنرى الآن ما وصل إليه.
التغير الإيجابي في بلادنا العربية كلها ليس مستحيلاً، ولكنه يحتاج للتعاون من الجميع، وقد تكون منصات التواصل الاجتماعي أتاحت الفرصة للمتشائمين لنشر محتواهم لأكبر عدد من الناس، وهذه المنصات كشفت لنا عن أسوأ ما في مجتمعاتنا وضخمتها، ومع ذلك، لا بد لنا – جميعًا – أن نعتبر ما يحصل جزءًا من الـمشكلة التي تحتاج إلى حلول قصيرة، وبعيدة المدى، وأن نحاول استيعاب الغاضبين، وتغيير فكرهم، وأي تغير إيجابي على أرض الواقع، وتحسن في ظروف المعيشة، وترسيخ للقانون، والعدالة سيقلل من البيئة الخصبة لنشر التشاؤم، وقتل الإيجابية.
التشاؤم يشبه أي سلوك في الحياة، ينمو ويترعرع في ظل ظروف معينة، ويختفي في ظروف أخرى، والتحدي الأكبر أمامنا جميعًا أن نعمل على تقليله، وبناء عقلية إيجابية، تحارب من أجل تغيير الواقع إلى الأفضل، وهذا ليس مستحيلاً، وبلدنا الأردن، ووطننا العربي الكبير يستحق ذلك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock